Sunday, March 20, 2011

الثورة .. أكشن

الثورة - خالد
=============
"حاول ألا تتأخرّ يا خالد"..

هتفت أمه بالعبارة، وهو يقف عند مدخل المنزل، فالتقط نفساً عميقاً، وبذل جهداً أكثر عمقاً، للسيطرة على أعصابه، ودفع فيضاً من الهدوء إلى صوته، وهو يقول:

- إن شاء الله يا أمي.

كانت تقول شيئاً آخر، ولكنه دفع جسده عبر الباب، وأغلقه خلفه في سرعة، حتى لا يستمع إلى سيل النصائح التقليدي..

لم تكن عقارب الساعة قد تجاوزت التاسعة والنصف مساءً بعدُ، وسنوات عمره تجاوزت العشرين بشهرين وبضعة أيام، وما زالت أمه تتعامل معه باعتباره صغيرها، الذي يرتجف قلبها عليه كلما تأخرّ في العودة إلى المنزل..

المشكلة الرئيسية في حياته هي أنه ابن وحيد..

وبالنسبة إليها هو رجلها الوحيد؛ فقد تُوفّي والده رحمه الله، وهو بعدُ في التاسعة من عمره، وكافحت هي طويلاً، كأم وحيدة، كي تجعل منه ما هو عليه الآن.

إنه طالب نابِهٌ، في واحدة مِن كليات القمة، كما يطلقون عليها، ويقضي معظم أوقاته في استذكار دروسه، ولكن أوقات فراغه هي مشكلته الكبرى.

لسنوات طفولته كلها لم تكن أن تسمح له بالاختلاط بأطفال الشارع، أو باللعب معهم، مما جعله شاباً منزلياً، كما أطلقوا عليه في شارعه، ولكنه لم يكد يبدأ حياته الجامعية حتى تغيّرت هذه الصورة تماماً.

في الجامعة حياته اجتماعية، لم يعتدها من قبل قط..

وربما لهذا انغمس فيها أكثر مما ينبغي..

كانت ارتباطاته بصداقاته قوية، أكثر من اللازم..

كان يعطي..
ويعطي..
ويعطي..
ولا ينتظر أبداً أن يأخذ..
ولقد اعتاد أصدقاؤه هذا..
اعتادوا أن خالد للعطاء..
فقط للعطاء..

كان أكثر ذكاءً، على نحو ملموس، وأكثر رصانة أيضا، يتحدّث في العديد من الأمور السياسية والاجتماعية، وأحياناً الدينية، ولكن المشكلة الحقيقية أن أحداً منهم لم يكن يُشاركه حديثه على المستوى المطلوب..

لا أحد..
باستثناء علياء..
وحدها كانت تتابع أحاديثه في اهتمام بالغ، وتحاوره في بعض آرائه، أو تحاول الاستفسار منه عن البعض الآخر..
ولقد لاحظت المجموعة كلها اهتمامها الواضح به..
وربما قبل أن ينتبه هو نفسه إلى هذا..
لاحظوه.. واحترموه..

ومع مرور الوقت نضج جانب آخر من جوانب خالد..

الجانب العاطفي..

رويداً رويداً أيضا بدأ هذا الأمر يتخذ سمة شبه رسمية..

حتى عندما يلتقي الجميع، في كافيه بعينه، كانوا يتركون المقعد المجاور لخالد خالياً، حتى تصل علياء، أو العكس بالعكس..

هم اعتادوا هذا...
وهو اعتاد هذا..
وهي اعتادت هذا..
و..

"مرحباً يا بطل"..

قطع حديث أحمد حبل أفكاره، فابتسم له خالد، وقال في هدوئه المعتاد:

- مرحباً.. أأنت أوّل مَن وصل؟!

هزّ أحمد كتفيه، وقال:

- علاء وتامر في الطريق.

سأله في اهتمام:

- وماذا عن فتحي؟!

عاد أحمد يهز كتفيه، وكأنها عادة تلازمه، وهو يجيب:

- والده عاد اليوم من الكويت، وستجتمع الأسرة كلها على العشاء.

ابتسم خالد، قائلاً:

- عظيم.

وفي بساطة، ارتكن على مقدّمة سيارة أحمد، وهو يسأله:

- لماذا لا نجلس حتى يصلوا؟!

هزّ أحمد كتفيه، وقال:

- إنها ليلة شتاء دافئة، أحبّ أن أتمتع فيها بالهواء النقي.

ثم التفت إليه، يسأله في اهتمام:

- هل دخلت الموقع اليوم؟!

سأله بنفس البساطة:

- أي موقع؟!

تزايد حماس أحمد على نحو عجيب، وهو يجيب:

- موقع فيس بوك.. إنهم يتحدّثون عن شاب لقي مصرعه على يد أفراد من الشرطة..

سرت ارتجافة سريعة في جسد خالد، وهو يتساءل:

- حقا؟!

بدا أحمد شديد التوتر، وهو يقول:

- كان يجلس في مقهى للإنترنت، وحدثت مشادة بينه وبينهم، تطوّرت إلى اعتداء بالضرب، تصاعد بسرعة، حتى لقي مصرعه.

شعر خالد بامتعاض، جعله يقول في اشمئزاز:

- ولماذا تتطوّر الأمور إلى هذا الحد؟! ماذا كانت الاتهامات الموجّهة إليه؟!

عاد أحمد يهز كتفيه، قائلاً:

- لا شيء.

اتسعت عينا خالد، وهو يرددّ، في لهجة أقرب إلى الذهول:

- ماذا تعني بلا شيء؟!

مطّ أحمد شفتيه، وأشار بيده في الهواء، قائلاً:

- فقط اعترض على طلب هويته.

هتف خالد مستنكراً:

- فقط؟!

أومأ أحمد برأسه، مجيباً:

- فقط.

ظهر تامر وعلاء في هذه اللحظة، فتهللّت أسارير أحمد، وكأنما نسي ما كانا يتحدّثان فيه منذ لحظات، ولوّح لهما، هاتفاً:

- نحن هنا.

تصافح الأربعة، وبدا أحمد مرحاً، بما لا يتناسب مع الموقف، وشاركه علاء وتامر مرحه، واتجه الثلاثة نحو المكان، الذي اعتادوا الجلوس فيه، دون أن ينتبه الثلاثة إلى حالة الوجوم العجيب، التي انتابت خالد..

كان يبدو كالمصدوم، غير مصدّق لما سمعه منذ قليل..

شاب اعترض على طلب إبراز هويته، دون ذنب جناه، فاعتدى عليه أفراد من الشرطة، حتى لقي مصرعه!!!

أي منطق في هذا؟!
أي عقل يقبله؟!
ثم ماذا لو كان هو هذا الشاب؟!
ماذا لو حاول أن يمارس حقه كمواطن، في ألا يعترضه أحد، أو يضيق عليه الخناق، دون ذنب جناه؟!
أيصبح الموت عقابه حينذاك؟!
وعقاب على ماذا؟!
على أنه يطالب بحقه..
وحريته..
وكرامته..
مستحيل!!

"أين أنت؟!".

انتزعه تامر من أفكاره بعبارته المرحة، قبل أن يميل نحوه، مستطرداً:

- لا أسكت الله سبحانه وتعالى لك حساً... إنك لم تنطق حرفاً واحداً، منذ أن جلسنا.

أشار إليه علاء، متسائلاً، بالمرح نفسه:

- حقاً.. أين مناقشاتك الفلسفية، التي ترهق عقولنا دوماً.

رفع خالد عينه إليه، وسأله فجأة:

- ترى ما حقوقنا في وطننا؟!

بدت الدهشة على وجوه ثلاثتهم، وتساءل أحمد في حيرة:

– ما مناسبة هذا السؤال؟!

حمل صوت خالد حدة، لم يعتدها منه رفاقه، وهو يواصل تساؤله:

- هل قرأ أحدكم الدستور؟!

تضاعفت دهشتهم، قبل أن يطلق علاء ضحكة مرتبكة، قائلاً:

- إننا نقرأ مقرراتنا الدراسية بالكاد.

مال خالد نحوهم، وبدا صوته أكثر حدة، وهو يقول:

- كيف يمكن أن تطالب بحقوقك إذن، وليست لديك أية فكرة عنها؟!

هتف به تامر في استنكار:

- ماذا أصابك الليلة؟!

صاح فيه خالد في حدة:

- بل ماذا أصابكم أنتم؟!

قالها، وهبّ من مقعده، واندفع خارجاً، تاركاً ثلاثتهم في حَيرة من أمرهم، فمن المؤكّد أن أحداً منهم لم يُدرك أنه في تلك اللحظة بالذات، انقلبت حياة خالد رأساً على عقب..

وبقوة.

يُتبَع،،،،
============
الثورة - علياء
============
التهبت كل خلية مِن أعصاب علياء، كما لم تلتهب مِن قبل، وهي تعاود الاتصال بهاتف خالد المحمول مرّة تلو الأخرى، دون أية استجابة..

لم تكن تدري ماذا أصابه؟!

منذ أسبوع كامل، اختفى مِن المشهد تماماً..

لم يأتِ إلى الكلية، على الرغم مِن الدورات العملية، والمحاضرات شديدة الأهمية..

ولم يظهر في ذلك الكافيه، الذي اعتادت المجموعة التواجد فيه، في أيام الإجازات..

ولم يجب على هاتفه، ولو مرّة واحدة..

في البداية، خشيت علياء أن يكون مريضاً، ولكن سامي أكّد لها أنه قد اتصل بمنزله، فأخبرته أمه أنه بخير، ولكنه ينام لأوقات طويلة..

كانت بدورها شديدة القلق على وحيدها، حتى إنها سألت سامي أكثر مِن مرة، عما إذا كان هناك ما أصابه، أو مَن أساء إليه، فأكّد لها سامي أن هذا لم يحدث، ورجاها أن تطلب من خالد الاتصال به، فور استيقاظه..

ولكن خالد لم يفعل..

وتضاعف قلق علياء..

وعبر أحمد، وعلاء، وفتحي، وتامر، تكّررت محاولة الاتصال بـخالد، ولم تنجح محاولة واحدة منها..

ولم يعاود خالد الاتصال بأحدهم.. أبداً..

وجُن جنون علياء بحق..

فـ"علياء" فتاة رقيقة، تقيم في أسرة هادئة، ومنزل جميل، من منازل الطبقة فوق المتوسّطة..

كانت الابنة الصغرى، في أسرة من أربعة أفراد.. أمها وأبيها، وشقيقتها الكبرى، التي تكبرها بثلاثة أعوام..

وطوال حياتها، كانت علياء، كما تربّت، اجتماعية، بسيطة، منفتحة.. وملتزمة.. كانت دوماً مثالاً للفتاة العصرية، وبكل المقاييس..

وعلى الرغم من انفتاحها التلقائي على الحياة الجامعية، لم يتفتّح قلبها، أو حتى حاول هذا، مع أي زميل..

حتى التقت خالد..

فجأة، وجدت نفسها أمام شاب من طراز جديد..

طراز مختلف..

كان رصيناً، هادئاً، وقوراً، على عكس أقرانه..

وكانت لديه ثقافة واسعة..

ثقافة مبهرة، من وجهة نظرها..

ثقافة، ربما كانت السبب الرئيسي لذلك الشعور العجيب، الذي تسللّ إلى قلبها البكر، لأوّل مرة في حياتها..

في البداية، وجدت نفسها شديدة الاهتمام بالاستماع إليه.. مبهورة بكل كلمة تسمعها منه، مشدوهة بفلسفته البسيطة، التي يطرحها في هدوء، دون حدة أو تشنّج.. شغوفة بسماع كلماته وتفسيراته لآرائه، وهدوئه في التعامل مع معارضيه، أو حتى الساخرين منه..

ثم طرأ تحوّل جديد عليها..

أصبحت سعادتها كلها في رؤيته..

فقط رؤيته..

كانت تنتظره في الكلية بشغف، ويتراقص قلبها كلما رأته قادماً، مع تلك الابتسامة التي تشعّ بالبساطة والطيبة والنقاء، على شفتيه، والتي لا تفارقهما أبداً تقريباً..

ومع اختلاجات قلبها، وحديثها مع شقيقتها الكبرى فيحاء، اعترفت بالحقيقة..

اعترفت بأنها تُحبّه..

ومِن أعمق أعماق شفاف قلبها..

ولأنها مِثله، بسيطة رقيقة، لم تُحاول إخفاء مشاعرها هذه أبداً..

لم تحاول أن تخفيها عنه..

أو عن المجموعة كلها..

ومن ناحيته، ارتبك في البداية، مع مشاعرها الواضحة، التي التقت بتلك التغيرات في مشاعره أيضا، ثم لم يلبث بفلسفته أن وجد أنه لا مبرر للارتباك، أو القلق..

وبدون أن يتحدّثا، أو يفصح أي منهما عن مشاعره للآخر.. التقيا..

وفهمت المجموعة كلها هذا..

وتقبّلته...

وذات يوم، قالت نهى -إحدى أبرز الناشطات في المجموعة- إنها لا تتخيّل أن يصلح أحدهما سوى للآخر..

وارتاحت الأمور، عند هذه النقطة، وسارت معها الحياة..

ولكن فجأة، حدث ما حدث..

واختفى خالد..

وفي تلك الليلة، سالت دموع علياء غزيرة، على وسادتها الحريرية، بعدما يئست من الاتصال بـخالد، دون إجابة..

ومن وسط دموعها، سمعت طرقات هادئة على باب حجرتها، أعقبها صوت شقيقتها فيحاء، وهي تسأل، في صوت يحمل نبرة قلق واضحة:

- علياء.. هل يمكنني الدخول؟!

نهضت في سرعة، تمسح دموعها، وهي تقول:
- بالتأكيد..

فتحت فيحاء باب الحجرة، وتطلّعت إليها في قلق، وغمغمت، وهي تغلق الباب خلفها:
- سمعتك تنتحبين.

أومأت علياء برأسها إيجاباً، ومسحت ما تبقّى مِن دموعها، وهي تغمغم:
- هل كان صوتي مرتفعاً، إلى هذا الحد؟!

ابتسمت فيحاء ابتسامة مشفقة حنونة، وهي تربّت عليها، مغمغمة:
- لم يكن كذلك.

استقرّت على طرف فراشها، وسألتها:
- أهو خالد؟!

أومأت علياء برأسها إيجاباً مرّة أخرى، وقالت:
- إنه لا يجيب على هاتفه أبداً.. حاولت الاتصال به أكثر من مائة مرة، ولم يعاود الاتصال مرة واحدة.

تردّدت فيحاء لحظة، ثم مالت عليها، تقول:
- لعله لا يريد الاستمرار.

أجابتها علياء، في سرعة متنكرة:
- ليس هذا أسلوب خالد.

ثم اعتدلت بحركة مفاجئة؛ لتكمل بشيء من الحماس، يحمل رنة حزن:
- خالد إنسان بسيط للغاية، لا يتعامل أبداً بهذه الأساليب غير المباشرة، ولو أنه لا يريد الاستمرار معي، لأخبرني بهذا، ولشرح لي أسبابه ومبررّاته.

تنهدت فيحاء، وتردّدت لحظات أخرى، ثم قالت في حنان:
- اسمعي يا علياء.. ربما أكبرك بسنوات قليلة، ولكن خبرتي بالحياة تفوقك إلى حد كبير، ولقد اعتدت مِن الشباب عدم القدرة على المواجهة، وهي سمة صارت للمجتمع كله تقريباً، فإذا ما شعر أحدهم بالرغبة في الابتعاد، فإنه لا يجرؤ على الإفصاح بهذا، وإنما يفعل ما فعله خالد... يختفي، ولا يجيب على اتصالاته.

هتفت علياء في حدة:
- ليس خالد.

مطّت فيحاء شفتيها، وتمتمت:
- مِن الواضح أنك شديدة الثقة به.

هتفت:
- أكثر مما تتصوّرين.

ربتت عليها شقيقتها مرة أخرى، وهزّت رأسها، متمتمة:
- أتعشّم أن يكون كما ترينه.

قالت علياء في حزم:
- سترين.

مع آخر حروف كلماتها، ارتفع رنين هاتفها المحمول، على نحو أفزعهما معاً، قبل أن تهتف علياء، بكل لهفة الدنيا، وهي تختطف هاتفها:
- إنه خالد.

تراجعت فيحاء في دهشة، في حين ضغطت علياء زر الهاتف، قائلة، بكل ما تراكم في أعماقها، مِن لهفة، ولوعة، وحُب، وقلق:
- خالد.. أين أنت؟!

أجابها صوته، حاملاً دفقة من الحزن، وهو يقول:
- اسمه خالد يا علياء.

لم تفهم ما قاله، فصمتت لحظة، أكمل هو خلالها:
- ذلك الشاب، الذي قتلته الشرطة، اسمه خالد.

انخفض صوتها، وهي تقول في قلق:
- ماذا بك يا خالد؟!

واصل، وكأنه لم يسمعها:
- كان يمكن أن يكون أنا.. أو فتحي.. أو أحمد.. أو علاء.. أو نهى.. كان من الممكن أن يكون....

صمت فجأة، واستغرق صوته لحظات، قبل أن يضيف، في مرارة مالها مثيل:
- أنت.

حدّقت فيحاء في ذلك الانطباع الملتاع، على وجه شقيقتها، ثم انسحبت من الحجرة في هدوء، مدركة أنه لم يعد يحقّ لها البقاء، وأغلقت الباب خلفها في حرص، وعلياء تقول، بصوت حَمِل اعتصار قلبها:
- ماذا أصابك يا خالد؟! أين كنت طوال الأيام الماضية؟!

مرة أخرى، لم يبد أنه قد سمعها، وهو يقول:
- لا بد وأن نفعل شيئاً.. أي شيء.. لا يمكن أن تستمر الحياة على هذا المنوال.. لا يمكن.

سألته مرة أخرى، في صوت أقرب إلى البكاء:
- أين كنت يا خالد؟!

أجابها، في صوت يوحى بأنه يحدّث نفسه:
- كنت أدرس.

سألته في حيرة:
- تدرس ماذا؟!

مضت لحظات من الصمت، قبل أن يُجيب في صوت عميق:
- الدستور.

وتضاعفت حيرتها..

ألف مرّة.

يُتبع
=============
الثورة - فتحي
=============
في همة ملحوظة غادر فتحي محطة مترو الأنفاق، وتحرّك في اتجاه ذلك الكافيه الذي اعتادت المجموعة اللقاء فيه..

لقد أخبره علاء أن خالد قد عاد للظهور، وهو قلق عليه للغاية بالفعل؛ فقد منعته ظروف عائلية من رؤيته في تلك الليلة التي غادر فيها المجموعة محتداً، ثم اختفى بعدها، ولم يعد يجيب أحداً..

كان فتحي في الواقع أقرب المجموعة إلى خالد؛ فقد جمعتهما صداقة خاصة منذ تعارفا للمرة الأولى، على الرغم من وجود اختلافات عديدة بينهما..

فعلى عكس خالد، نشأ فتحي بين أبوين متوسطي الحال، حنوني القلب، ربّياه مع شقيقته الوحيدة على أفضل ما يكون، وعلّماه الاعتماد على النفس منذ طفولته، فنشأ قوياً، معتدّاً بنفسه، واثق الخطى، يعرف طريقه في الحياة جيداً..

وعلى الرغم من رصانته واتّزانه، كان فتحي شديد الرقة في مشاعره، طيب القلب دون إفراط، وشديد الحماس لكل ما يؤمن به..

وعندما لاح الكافيه، عند ناصية الشارع، أسرع فتحي الخطى، حتى بلغ مدخله، ووقع بصره على المجموعة، التي تنصت كلها في انتباه لصديقه خالد، الذي كان يتحدث على نحو عجيب، يجمع بين الحماس والمرارة، فاتجه نحوهم فتحي، وألقى عليهم التحية، قبل أن يجذب مقعداً، متسائلاً:

- فيم تتناقشون؟!

أجابه علاء في شيء من الملل:
- في الدستور.

ارتفع حاجبا فتحي في دهشة طبيعية، وهو يغمغم:
- الدستور؟!

التفت إليه خالد، متسائلاً في دهشة:
- لا تقل إنك لم تقرأه بعد.

تردّد فتحي لحظة، ثم أجاب:
- الواقع أنني لم أحاول قراءته كله أبداً.. فقط طالعت تلك النصوص التي دارت حولها الخلافات في التعديل الأخير.

قال خالد في أسف:
- خطأ.

هتفت علياء في سرعة:
- أنا قرأته.

سألها سامي في دهشة:
- ومتى هذا؟!

أشارت إلى خالد، مجيبة في حماس:
- عندما طلب مني خالد أن أفعل هذا؟!

سألها تامر في اهتمام:
- ومن أين حصلت على نسخة منه؟!

أخرجت نهى من حقيبتها نسخة من الدستور، في قطع صغير، ولوّحت بها، قائلة:
- كانوا يوزّعونه مجاناً، من خلال مشروع القراءة للجميع.

مال فتحي على خالد، يسأله في حيرة:
- ما الذي أثار حماسك إلى هذا الحد لقراءة الدستور؟!

ارتفع حاجبا خالد في دهشة مستنكرة، وهو يقول:
- ألا تتابع ما يحدث؟! ألم تشهد تلك التظاهرات في الإسكندرية، التي تندد بما فعلته الشرطة مع ذلك الشاب؟!

أجابه فتحي، ولم تنخفض حيرته بعد:
- بلى.. وهناك صفحات على الإنترنت اجتمعت على شجب ما حدث، وتطالب بالقصاص.

رفع سامي سبّابته، قائلاً:
- أنا انضممت إليها.

قالت نهى في حماس:
- وأنا أيضا.

تصاعدت أصواتهم، لتبين أنهم جميعاً انضموا لتلك الصفحات، فيما عدا خالد، الذي احتقن وجهه، وهو يقول في حياء آسف:
- لم أعلم حتى بوجودها.

لمست علياء كفّه بطرف سبابتها، وهي تقول متعاطفة:
- ربما لأنك كنت منشغلاً بدراسة الدستور.

نظر إليها نظرة خاوية، وإن ارتاح كفه لملمس سبابتها، وهو يقول:
- وكيف أجد تلك الصفحات؟!

أخبروه في حماس كيف يفعل، ثم هزّ علاء كتفيه، قائلاً:
- هل تظنون أن صفحات إنترنت يمكن أن تفعل شيئاً؟!

هزّ أحمد كتفيه كعادته، وقال:
- من يدري؟!

تواصل حديثهم لبعض الوقت، حول احتمالية أن يستمع النظام لصفحات إنترنت، وهو نظام شاخ منذ زمن طويل، وما زال يحتفظ بعقلية وأساليب ستينيات القرن العشرين، مع نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم هتف خالد فجأة، وهو يرفع نسخة الدستور عالياً:
- لو أننا قرأنا هذا جيداً، وعرفنا حقوقنا في هذا البلد، فسيستمعون إلينا حتماً.

انفرط حماسه فجأة، فهبّ واقفاً، وصاح بجميع زبائن الكافيه:
- الدستور.. اقرؤوا الدستور؛ حتى لا يفعل بكم أحد ما فعلوه في شاب الإسكندرية.

التفت إليه جميع الزبائن في وجوم، دون أي تعليق، وتفرّس بعضهم في ملامحه بدهشة، في حين أشاح الآخرون بوجوههم، واندفع نحوه ناجي -صاحب الكافيه- وهو يقول مذعوراً:
- أستاذ خالد.. أرجوك.. هذا ليس مكاناً للحديث في السياسة.

سأله خالد في حدّة:
- وهل هناك أماكن خاصة للحديث في السياسة.

امتقع وجه ناجي، وهو يقول في ضراعة:
- أستاذ خالد...أرجوك.

همّ خالد بمحاورته، ولكن فتحي أمسك يده، وقال في رصانة:
- اجلس يا خالد.

التفت إليه خالد بنظرة محتدّة مستنكرة، فاشتركت معه علياء، قائلة بصوت خافت:
- اجلس يا خالد.. أرجوك.

نقل خالد بصره بينهما، ولاحظ ذلك التوتر على وجوه الآخرين، وامتقاع وجه ناجي، فغمغم:
- فليكن.

عاد إلى مقعده، فتنفّس ناجي الصعداء، وتلفّت حوله في قلق؛ ليرى رد فعل حديث خالد على وجوه باقي الزبائن، ولكن الجميع انصرفوا إلى أحاديثهم الخاصة، في حين ربّت خالد على نسخة الدستور، قائلاً:
- الدستور يقول: إن كل شخص من حقه التعبير عن رأيه بكل الوسائل المشروعة.

غمغم تامر، بابتسامة شاحبة:
- هذا في الدستور فقط.

سأله خالد محتداً:
- ماذا تعني بهذا؟!

أجابه سامي، محاولاً تهدئته:
- يعني أن الدستور يقول هذا نظريا، ولكن في ظل قانون الطوارئ، الذي نحيا فيه منذ مولدنا، ليس هذا صحيحاً على أرض الواقع.

هتف خالد في حدة:
- ولكن الدستور يقول..

لمست علياء كفه بسبّابتها مرة أخرى، وهي تقول في لوعة، مقاطعة إياه:
- ماذا أصابك يا خالد؟!

بتر عبارته، وتراجع دفعة واحدة، وهو يغمغم:
- كنت أعمى فأبصرت.

قالت بلوعتها:
- كنت أقصد لماذا صرت عصبياً محتداً هكذا؟! عهدي بك دوماً رصينا هادئاً.

التفت إليها بنظرة، حملت قدراً هائلاً من الحيرة..
نظرة تجيب بأنه حتى هو نفسه لا يدري..
حادثة شاب الإسكندرية غيّرت داخله الكثير..
والكثير جداً...
هو يعترف بهذا، ولا يدري له سبباً واضحاً..

"ما رأيكم في أن نشاهد غدا جميعاً فيلم أحمد حلمي الجديد؟!"
قالها سامي، في محاولة لتهدئة الأحوال، فهتفت نهى في حماس:
- عظيم... أردت مشاهدته منذ قرأت ما كتبوه عن القصة.

هزّ أحمد كتفيه، وقال:
- وأنا أيضا.. ما رأيكم في اقتراح سامي؟!

بينما يتجادلون في الأمر، انفصل أحد الزبائن عن مائدته، واتجه نحو ناجي، وسأله:
- من هذا الولد، الذي كان يتحدّث عن الدستور؟!

اللهجة التي ألقى بها سؤاله كانت صارمة قاسية، تشفّ عن موقع ما، في أحد الأجهزة الأمنية، مما جعل قلب ناجي ينتفض بين ضلوعه، وهو يغمغم:
- أي ولد؟!

لم يجبه ذلك الزبون، وإنما رمقه بنظرة قاسية متوعدة، جعلته ينكمش في مكانه، وهو يجيب في خفوت:
- اسمه خالد.

سأله في صرامة أكثر وقسوة أشد:
- وهل يجتمع مع تنظيمه هنا كل يوم؟!

اتسعت عينا ناجي، وهو يقول في هلع:
- تنظيم؟! إنهم مجرد مجموعة من الشباب يجتمعون هنا بين حين وآخر، وهي المرة الأولى تقريباً التي أسمعهم يتحدثون فيها عن السياسة.

بدا الرجل أشد قسوة وصرامة، وهو يقول بلهجة آمرة فظة:
- أريد أسماءهم.. جميعاً.

وامتقع وجه ناجي بشدة، وأدرك أن الأمر قد خرج عن السيطرة..
تماما.
=============
الثورة.. علاء
=============
على الرغم من اعتياده التظاهر بالاستهتار واللامبالاة؛ لإخفاء تلك الصراعات شديدة التعقيد في أعماقه، لم يستطع علاء إزاحة حديث خالد عن ذهنه لحظة واحدة، وهو في طريق عودته إلى حيث يقيم..

كان على عكس رفاقه، لا يتمتع بأي استقرار في حياته الأسرية، حيث انفصل والده عن والدته وهو بعدُ صغير، ولم يكن بوسع أيهما إيجاد سكن مناسب لطفليهما، مما جعله مجبراً على العيش مع جدته لأمه، ليلعب دور مسئول التمريض، منذ سنوات تفتّح شبابه الأولى..

تلك الظروف خلقت داخله صراعاً دائماً، بين طيبته الفطرية، ونقمته على ما وضعه القدر فيه، ولكن تلك الكبرياء في تكوينه، منعته الإفصاح عن هذا، ودفعته لمجاراة رفاقه، دون أن يشعر أحدهم بما يعانيه..

وبحكم عيشه في منطقة شبه شعبية، كان أحد الشباب الذين يدركون جيداً أنه لا مكان لهم على أرض الوطن..

في كل مرة يعود فيها إلى المنزل متأخراً، كان أحد أكمنة الشرطة يستوقفه، وتبدأ تلك الممارسات السخيفة، التي جعلته يبغض السير ليلاً، إلا تحت أسوأ الظروف..

نظرات قاسية، وكلمات جارحة، واستجوابات، وانتظار طويل، حتى يرضى عنه الباشا، وهو اللقب الذي انتزعته حركة يوليو من أصحابه، لتنعم به على كل من هبّ ودبّ، وحمل رائحة سلطة في منصبه..

لم يدرِ أبداً لماذا يتعامل معه ضابط الكمين بهذا الأسلوب المهين، لمجّرد أنه يسير عائداً إلى منزله، دون أن تكون هناك قرارات حظر تجوال سارية..

لم يدرِ أبداً..
ولم يفهم أبداً..

هذا ما جعله ينتبه بشدة إلى كلمات خالد، على الرغم من أن جلسته كانت توحي -كما هي عادته- باللامبالاة...

لماذا لا يعرف الشعب بالفعل حقوقه الدستورية؟!
لماذا لا يتم تدريس الدستور في مدارس مصر؟!
بل والسؤال الأكثر أهمية هو: لماذا لا يحترمه أي مسئول في مصر؟!

وجد نفسه، عن غير وعي، يردّد:
- نعم.. ينبغي أن ندرس جميعاً الدستور.

مرقت إلى جواره سيارة مسرعة في هذه اللحظة، فانتفض جسده كله، واندفع جانباً، محاذياً للرصيف..

في تلك اللحظة بالذات لمح ذلك الكمين..

كان على بُعد أمتار قليلة من منزله، يسدّ الطريق أمامه مباشرة، ويستوقف تلك السيارة المسرعة، وأمين الشرطة يطلب من قائدها أوراقه، في حين يقف الباشا صامتاً، يتابع الموقف في تحفّز، لم يكن له ما يبرره..

وتردّد علاء لحظات، وبدأ قلبه يدق مجدداً، وهو يزن الأمر في رأسه..
هل يعبر ذلك الكمين الآن، أم ينتظر انصراف تلك السيارة؟!

هداه تفكيره إلى أن العبور في وجودها أكثر أماناً؛ إذ سينشغل الجميع بها، على نحو يوحي بأهمية راكبها، مما سيصرف الأنظار عن شاب يسير على قدميه..

من هنا حثّ الخطى، حتى يتجاوز الكمين في سرعة، ومع اقترابه منه سمع قائد السيارة يقول لأمين الشرطة، في تعالٍ واضح:
- أنا مواطن أمريكي، أحمل رخصة قيادة أمريكية، وهذا جواز سفري.

لاحظ ارتباك أمين الشرطة، الذي رفع جواز السفر بيد مرتجفة، ليريه للضابط، الذي انعقد حاجباه في ضيق، ولكنه أومأ برأسه إيجابا، فأعاد أمين الشرطة الجواز الأمريكي لصاحبه، ورفع يده بالتحية العسكرية، وعادت السيارة تنطلق، متجاوزة الكمين؛ لتمضي إلى سبيلها..

وحثّ علاء الخطى أكثر..

وأكثر..
و...
"أنت.. هناك"..

هتف الباشا في صرامة قاسية، فتجمّدت ساقا علاء دفعة واحدة، حتى إنه كاد يسقط على وجهه، وارتجفت كل ذرة من كيانه، وانتقلت ارتجافتها إلى صوته، وهو يلتفت إلى الضابط، متسائلاً:
- أنا؟!

اتجه نحوه الضابط في شراسة، لم يكن لها ما يبررّها، إلا عجزه عن مواجهة سائق السيارة المسرعة، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، وصاح فيه:
- لماذا تُسرع هكذا؟!

أشار علاء بسبّابة مرتجفة إلى منزله القريب، وهو يقول:
- منزلي هنا، وقد تأخّرت في العودة، وجدتي وحيدة، و...

قاطعه الضابط، وكأنه لم يسمع حرفاً مما قاله، وبنفس الشراسة غير المبرّرة:
- بطاقتك.

كان من الصعب أن يلتقط علاء بطاقته من حافظته، مع ارتجافة أصابعه، ألا أنه فعلها، وناول الباشا بطاقته، التي لم يُلقِ عليها نظرة واحدة، وهو يناولها لأمين الشرطة، قائلاً في غلظة:
- قم بالكشف عن هذه.

قال علاء متوتراً:
- منزلي هنا.

تجاهله الضابط، وهو يبتعد عنه، قائلاً في خشونة:
- انتظر هنا.

عاد يكرر في تخاذل بائس:
- منزلي هنا.

في هذه المرة، لم يبد أن الباشا سمع حرفاً مما قاله، وهو يعود إلى وقفته المتحفزة، وكأن مهمته الرئيسية هي ترويع المارة، في حين حمل أمين الشرطة البطاقة إلى سيارة شرطة قريبة، وأمسك جهاز الاتصال اللاسلكي؛ ليملي رقمها لمكان ما، أو وجهة ما، ثم تركها على سطح السيارة، وانصرف عائداً إلى الكمين..

ومضت عقارب الساعة في بطء، لم يعهده علاء مع الزمن أبداً...

الباشا بدا وكأنه قد نسي أمره تماماً، وانشغل في إيقاف السيارات والمارة، وكأن هذه هي لذّته الوحيدة، ولاحظ علاء، في وقفته المتوترة، أن الضابط كان يؤدي هذا بعنصرية واضحة، فالسيارات شديدة الفخامة، كان يلقي نظرة على راكبيها، ثم يشير إليهم بمواصلة الطريق، وكأنما يخشى أن يستوقفهم، فيكون بعضهم من ذوي السلطة، ويعرّضه لما ينقص من هيبته وكرامته..

أما السيارات البسيطة، فكانت تعاني جحيماً في ذلك الكمين..

ولقد علا صوت اللاسلكي مرة..
ومرة..
ومرات..

وفي كل مرة كان قلب علاء يرتجف، متصوّراً أنها نتيجة فحص هويته، ولكن أمين الشرطة كان يتجاهل الردّ..
والضابط كذلك..

وبعد مضي ما يزيد على الساعة، بدت له أشبه بدهر كامل، وبعد أن كادت أعصابه تنهار تماماً، دونما ذنب جناه، لمح أحد أمناء الشرطة الآخرين يلتقط بطاقته، من سطح السيارة، ويتلفّت حوله، ثم يتجه مباشرة..

وتحفّزت كل خلية في جسد علاء، وتصوّر ألف تصوّر، إلا ما حدث بالفعل..
لقد دنا منه أمين الشرطة الثاني، وناوله بطاقته سراً، ثم همس في أذنه، في تعاطف واضح:
- خذها وانصرف يا ولدي، قبل أن ينتبه الباشا إليك.. هيا.. أسرِع.

واندفع علاء يبتعد، وهو يتصوّر في كل لحظة، أن الضابط سيصرخ فيه مرة ثانية، وسيستعيده لينكّل به، جزاء انصرافه دون إذن..

وحتى عندما بلغ منزله، استغرق الأمر منه ما يزيد على الدقيقة، قبل أن تنجح أصابعه المرتجفة، وأعصابه شبه المنهارة، في دسّ المفتاح في ثقب الباب..

وعندما كادت دقات قلبه تبلغ ذروتها، كان قد نجح في عبور الباب، وأغلقه خلفه في قوة، ولأوّل مرة في حياته أغلقه من الداخل بالمفتاح، ثم ارتكن بظهره عليه، يرهف سمعه في شدة متوترة، خشية أن يكون ذلك الباشا قد أرسل خلفه من يُحضره..

ولكن كان من الواضح أن الباشا قد نسي أمره تماماً، مع انشغاله بتكدير آخرين؛ للتسرية على نفسه في ذلك الكمين الذي يمتدّ حتى الفجر..

ومع تلك الحالة، التي يمر بها، استغرق الأمر ربع ساعة كاملة، قبل أن تهدأ أنفاس علاء، ويحلّ غضبه محلّ خوفه وتوتره..

ولماذا يحدث هذا؟!
لماذا؟!
لماذا في بلد يُفترض أنه آمن، يكون مصدر الخوف الوحيد، لشاب في عمره، هو الشرطة؟!

أليس من المفترض أن هذه الشرطة في خدمته؟!
أليس من الطبيعي أن يكون -كمواطن مصري شريف- آمناً مطمئناً في وطنه، وأن يحميه أمن وطنه؟!
أليس هذا حقه؟!

ذلك السؤال الأخير استفزّ مشاعره، وذكّره بحديث خالد، فنهض إلى جهاز الكمبيوتر البسيط الذي يملكه، وبحث في صفحات الإنترنت عن الدستور المصري، خاصة أنه لا يمتلك نسخة مطبوعة منه..

وعندما أشرقت شمس اليوم التالي، كان علاء يواصل مطالعته للدستور ومواده، وقد تفجّرت في أعماقه ثورة..
ثورة حقيقية.
============
الثورة.. نهى
============
- "هذا ما يقوله الدستور.."

هتفت نهى بالعبارة في حماس، على نحو أدهش أمها، وجعلها تسألها في حيرة:
- وما شأن الدستور بما كنا نتحدّث عنه؟!

أجابتها بنفس الحماس:
- الدستور هو كل شيء في الحياة.. هو الذي يحدد حقوقنا، وواجباتنا، وحدود حرينا، و..

قاطعتها أمها في غضب:
- مهلاً! هل تتصوّرين أن هذا الاستعراض الكلامي سيعفيك من إخباري أين كنتِ حتى هذه الساعة؟!

هدأت نهى دفعة واحدة، وهي تقول:
- كنت مع المجموعة في الكافيه، كما تعلمين.

قالت أمها في صرامة:
- وطلبتُ منكِ العودة قبل الحادية عشرة، والساعة الآن تقترب من الحادية عشرة والنصف.

هزّت نهى كتفيها قائلة:
- الطريق مزدحمة، هذا كل ما في الأمر.

انعقد حاجبا والدتها، وهي تتطلّع إليها لحظات في غضب، ثم لم تلبث أن مالت نحوها، وقالت في حزم، وبصوت منخفض:
- نهى، لسنا في كندا الآن.. الحياة هنا تختلف، ونظرة الناس إلى فتاة مثلك لها منظور آخر تماماً.

انعقد حاجبا نهى بدورها، وضمّت شفتيها في غضب صامت مستنكر..

كانت مشكلتها الرئيسية هي أنها ترّبت في مناخ يختلف تماماً، عندما هاجر والداها إلى كندا منذ عدة سنوات، وألحقاها وشقيقتها بمدارس كندية ذات سمات انفتاحية، وفكر أكثر تطوّرًا، صنع منها مزيجاً من التحرّر والالتزام، وخلق منها شخصية قوية، ذات فكر واضح، ونظرة مستقبلية، وطموح يتجاوز كل الحواجز..

وعندما بدأت تغوص في مرحلة المراهقة؛ اختطف الموت والدها فجأة، وأصابها بصدمة مباغتة، شاركتها فيها أمها التي اتخذت قرارً بالعودة إلى الوطن، واستكمال تربية ابنتيْها هناك..

وعادت نهى إلى مصر بأفكار مصرية، وأسلوب حياة كندي، ومشاعر هي مزيج من هذا وذاك..
ولأنها ذات جمال واضح؛ اصطدمت في البداية ببعض التجاوزات، والأسوار التي توضع حول مثيلاتها في عالمنا الشرقي، ولكن شخصيتها القوية جعلتها تقاوم هذا في حزم، وتصر أكثر على المضيّ قدماً في حياتها بالأفكار التي تؤمن بها، والأساليب التي ترى أنها الأفضل..

وإلى حد كبير نجحت في هذا..
وإلى حد كبير تكيّفت مع الحياة في مصر، وعشقت ترابها، ربما أكثر ممن وُلدوا وتربَوْا فيها، وباتت تحلم بتطوّرها ورفعتها..
ولقد كان لانضمامها لمجموعة خالد وأصدقائه مفعول السحر في تطوير تعاملاتها، وأساليبها الاجتماعية..

وعندما أثار خالد موضوع الدستور هذا؛ لقي الأمر قبولاً مدهشاً في أعماقها، لأنه يتعلق بالحريات والحقوق التي تطالب بها دوماً..

وبسرعة حصلت على نسخة من الدستور، وبدأت في قرأتها، ووضع خطوط حمراء تحت كل ما يهمها من مواده..
والواقع أن هذا قد أدهشها بشدة؛ فمواد الدستور -على الرغم من تعديلاته المخزية الأخيرة- تمنح المواطنين الكثير من الحقوق، ولكن تلك الحقوق تُهدَر بشكل يومي، وعلى نحو يبدو منهجياً، وكأن لا أحد يبالي بالدستور ومواده، حتى نظام الحكم ذاته..

والأدهى أن المواطن أيضًا يجهل دستور بلاده..
وكان هذا يعنى أن المجتمع بأسره يحتاج إلى الكثير من التغيير..
والكثير جداً..

" هل فهمتِ ما قلتُه؟!.."..

انتزعتها أمها من أفكارها بعبارتها الصارمة، فقالت نهى في حماس:
- لست أبالى بنظرةالمجتمع.

أجابتها والدتها في حدة:
- ولكن المجتمع نفسه يبالي.

نظرت إليها نهى في دهشة، فالتقطت أمها نفساً طويلاً في محاولة لتهدئة أعصابها الثائرة، قبل أن تحيط كتف ابنتها بذراعها، وتقودها إلى الأريكة المجاورة وهي تقول:
- مشكلة المجتمع المصري -يا نهى- هي أنه لا يتبنى نظرة اجتماعية واحدة، ولا حتى فكرًا واحدًا، فكل فئة منه لها نظرة قد تختلف مع فكر الفئات الأخرى، وكل مدينة لها فكر خاص، يتفق مع فكر بعض المدن ويختلف مع أخرى.. في الصعيد مثلاً قد يرون العيب كل العيب في أمر يراه أبناء الإسكندرية طبيعياً عادياً، والأقاليم قد تنظر إلى فتاة بسيطة الملبس باعتبارها سافرة مارقة.. حتى هنا في القاهرة؛ لكل حي من الأحياء فكره ومنظوره.

قالت نهى في عناد:
- هذا أدعى لأن أتمسك بفكري الخاص، ورؤيتي الخاصة لكل الأمور، إذ إنني سأختلف حتماً مع فئة ما، ولن يمكننى نيل رضاء كل الفئات، مهما حاولت.

تنهّدت أمها في يأس، قائلة:
- عنيدة! مثل والدك رحمه الله.

أشارت نهى إلى رأسها قائلة:
- ولكن من خلال فكر وليس عناداً صبيانياً.

زفرت أمها يأساً مرة أخرى، وغمغمت:
- لا فائدة من النقاش معك كالمعتاد.

ونهضت منصرفة عنها، ولكنها لم تكد تبلغ مدخل ذلك الممر المؤدى إلى حجرات النوم حتى التفتت إليها، قائلة في صرامة:
- ولكن العودة بعد الحادية عشرة ما زالت ممنوعة!

ابتسمت نهى، وهى تقول:
- سأذكر هذا جيداً.

اتجهت إلى حجرتها في خفة، وهرعت إلى الميزان؛ لتعلم كم فقدت من الوزن، خلال يوم واحد، ومطت شفتيها في عدم رضى عندما لم يخبرها الميزان بفقدان أية جرامات، وغمغمت في سخط:
- ماذا ينبغى ان أفعل إذن؟!.. أضرب عن الطعام؟!

استبدلت ملابسها في سرعة، واندّست في فراشها مع نسخة الدستور، وراحت تطالعها في شغف، حتى غلبها النوم، فتركت النسخة تسقط أرضاً، وغابت في سبات عميق..

لم تدرِ لماذا انتشر الضباب على هذا النحو؟!..
ولماذا تسير في شوارع خالية، بملابس النوم؟!..
كل ما شعرت به، هو أنها وحيدة، وخائفة.. وضائعة..

الشوارع كانت خالية تماماً، ومصابيح الضوء محاطة بذلك الضباب الذي جعلها تبدو باهتة، غير كافية لإضاءة الطرقات..
ولقد راحت تبحث عن منزلها وسط الضباب، دون أن تعثر له على أثر..
كانت وكأنها تدور في دوائر مغلقة، والضباب يزداد كثافة، ومعالم الطريق تختفي، والحصى تؤلم قدميها العاريتين، و..

انطلق رنين هاتفها المحمول بغتة، فانتزعها من ذلك الكابوس في عنف، وجعلها تلهث على نحو غير طبيعى، وهى تختطفه، هاتفة:
- علياء..! خيراً؟

بدا صوت علياء مندهشاً من توتر العبارة، وامتزاجها بذلك اللهاث العجيب، فسألتها في قلق:
- أأنت بخير يا نهى؟!

أجابتها، وهى تعتدل في فراشها:
- أعتقد هذا.. أظنه كابوساً فحسب.

قالت علياء في قلق:
- ولكنك لم تحضرى محاضرة الدكتور عبد الله، فخشيت أن..

قاطعتها نهى هاتفة:
- محاضرة من؟!.. كم الساعة الآن؟!..

ألقت السؤال، وهي تلتفت هَلِعَة إلى المنبه المجاور لها ثم تهتف مذعورة، قبل أن تأتيها علياء بالجواب:
- يا إلهى!.. العاشرة؟!

أنهت المحادثة دون إخبار علياء أو استئذانها، وقفزت ترتدى ثيابها، وتسرع إلى الكلية..

كانت الحادية عشرة والنصف عندما وصلت إلى هناك، ولاحظت -فور تجاوزها البوّابة- أن مجموعتها كلها تقف في الساحة والحزن يبدو على الوجوه، فأسرعت إليهم متسائلة:
- ماذا حدث؟!.. ما سر كل هذا الحزن؟!..

أجابها سامي في حزن امتزج بالضيق:
- رفضوا تعيين الدكتورعبد الله رئيساً للقسم.

اتسعت عيناها في دهشة وهي تقول:
- ولماذا؟!..المفترض أنه دوره لهذا!!

أجابها خالد في غضب وهو يشيح بوجهه:
- أمن الدولة!

سألته في دهشة:
- وما صلة أمن الدولة بهذا؟! إنه منصب فني، وليس سياسياً ولا أمنياً؟!

بدا تامر عصبياً وهو يقول:
- الدكتور عبد الله لا تنطبق عليه الشروط.

قالت في حدة:
- الشروط؟ إنه أفضل طبيب في القسم كله، وأكثرهم خبرة، و..

قاطعها أحمد في توتر:
- تامر لا يقصد الشروط.. تامر يقصد أنه ليس عضواً في الحزب الوطني، وليس موالياً للنظام ولا الأمن.. إنه رجل صاحب فكر مستقل، ولهذا رفضوا تعيينه.

بدت عليها دهشة عارمة، وغمغمت:
- أين حقوقه الدستورية إذن؟!

ومن بعيد تابعهم رئيس الحرس الجامعي في اهتمام، ثم رفع هاتفه المحمول، وقال عبره في حزم:
- حازم باشا.. من الواضح أنك كنت على حق.. هؤلاء الأولاد جزء من تنظيم خطير.. خطير جداً.

وعبر الهاتف أيضًا راح يتلقى التعليمات..
وبدقة.
============
الثورة.. تامر
============
على الرغم من احتدام الجدل في الكلية حول تدّخل أمن الدولة في تعيين الدكتور عبد الله رئيساً للقسم، لم يحاول تامر التعبير عن رأيه لفترة طويلة..

كان يكتفي بالاستماع إلى وجهات النظر، وإدارتها كلها في عقله..

وكان -كالمعتاد- يطرح على نفسه ألف سؤال وسؤال..
لماذا يتدّخل أمن الدولة في أمر فني كهذا؟!
لماذا؟!

ولماذا تعتبر أية جهة أمنية نفسها وصياً على أمور لا شأن لها بالأمن؟!
هل استفحل الأمر إلى هذا الحدّ؟!

هل حوّل النظام مصر إلى دولة بوليسية، من القمة إلى القاع؟!

كانت هناك أمور عديدة تستفزّه، منذ وضع قدميه في الحياة الجامعية، أوّلها الحرس الجامعي، الذي يقف عند أبواب كل كلية، موحياً بأنها سجن للطلاب، ومعتقل للتعليم والفكر والرأي..

لم يكن يجد أية صلة، بأي منطق كان، بين الجامعة وأجهزة الأمن..
جامعات الدنيا كلها لها أمن خاص، يتبع الجامعة، ولا يتبع الشرطة..
أمن مثلها... مستقل..

ولأنه، ومنذ طفولته، يمتلك طبيعة ثائرة متمردة، فقد كان يرفض هذا بشدة، ولكن طفولته نفسها شهدت لحظات من القمع، جعلته يدرس مواقفه جيداً، ويفصح عنها بشيء من الحذر؛ لتفادي رد الفعل..

ولكن ارتباطه بالدكتور عبد الله كان قوياً بالفعل..

فالدكتور عبد الله أستاذ بكل ما تحمله الكلمة من معان؛ فهو واسع العلم والاطّلاع، هادئ النفس، جمّ الصبر، يجيد الاستماع إلى طلابه وأسئلتهم واستفساراتهم، في سعة صدر، وسماحة خلق، ويجيد أكثر إجابة تساؤلاتهم، بأسلوب سلس هادئ بسيط..

ومن وجهة نظر تامر كان يستحق رئاسة القسم عن جدارة...
ولكن المشكلة أنه لا يمتلك مقومات العصر..
والعلم ليس أحد تلك المقومات... مع الأسف...

فرئاسة القسم، في العالم المتحضّر كله، ترتبط بالتفوق العلمي، وكفاءة الأستاذ، وموهبته الإدارية..

أما في مصر فالأمر يختلف تماماً..

المقومات الرئيسية فيها، هي أن ينتمي الشخص إلى الحزب الوطني، وألا ينتمي إلى أية جماعة إسلامية، والأهم أن يوافق جهاز أمن الدولة على تعيينه..

أسلوب أمني بوليسي سخيف، ربما هو سر ابتعادنا الشديد عن العلم، وعن ركب التطوّر والحضارة...

قاده هذا، على نحو طبيعي، إلى التفكير فيما يدعو إليه خالد، في الآونة الأخيرة.. إلى دراسة الدستور..

فالمفترض أن يحوي الدستور كل الحقوق والواجبات، و.....

توقف تفكيره دفعة واحدة، مبتعداً عن الدستور، ومتجهاً نحو ما أسمته الدولة، طوال ثلاثة عقود كاملة، بقانون الطوارئ... ذلك القانون، الذي ينتزع من كل مواطن في مصر، كافة حقوقه الدستورية، بحجة الحفاظ على الأمن!!

نفس اللعبة، التي استخدمتها الدول الديكتاتورية عبر التاريخ...
الأمن مقابل الحرية..

كل النظم الديكتاتورية القمعية، في التاريخ كله، استخدمت هذه اللعبة..
وخسرت في النهاية...
إيران، روسيا، رومانيا، وغيرها...

كلها حاولت خداع شعوبها، وإيهامها بأنها تقتطع حريتها؛ لتمنحها الأمن، فلا حازت شعوبها حريتها، ولا نعمت بالأمن والأمان..

كلها حاولت..
وكلها سقطت..

"لا بد وأن نفعل شيئاً"..

انتزعته عبارة خالد من أفكاره، فالتفت إليه على نحو أشبه بالذعر، وهو يسأله في توتر:
- بشأن ماذا؟!

أجابه في حماس:
- بشأن منع تعيين الدكتور عبد الله.

أطلّت الحيرة من وجه تامر وصوته، وهو يسأل:
- وما الذي يمكن أن نفعله؟!

أجابه خالد بنفس الحماس:
- نعترض.

سأله تامر في حذر:
- باعتبارنا ماذا؟!

قال خالد في شيء من الحدة:
- باعتبارنا طلابه، ومن حقنا أن.....

قاطعه تامر في توتر:
- ومن حقنا ماذا؟!

صمت خالد وتطلّع إليه في حيرة، فأكمل تامر بنفس التوتر:
- حقنا الوحيد هو أن نطالب باستمراره في تدريس المادة لنا.

هزّ خالد رأسه في ضيق، قائلاً:
- لم يمنعوه من التدريس.

قال تامر في سرعة:
- وهذا لا يمنحنا أي حق آخر.

بدا الإحباط على وجه خالد، وهو يغمغم:
- ولكننا إن لم نفعل شيئاً، فلن يتغيّر أي شيء.

تردّد تامر لحظة، قبل أن يقول في حذر:
- المهم أن نعرف ما الذي ينبغي أن نفعله.

رفع إليه خالد عينين يائستين، وتطلع إليه بهما لحظة، ثم استدار منصرفاً، دون أن يضيف حرفاً واحداً..

والعجيب أن تامر لم يحاول استيقافه..

كل ما فعله هو أن تابعه ببصره في صمت، حتى غاب عن نظره تماماً، وكأنه يبرّر الأمر لنفسه:
- وما الذي ينبغي أن نفعله؟!

لم يكد ينطقها، حتى شعر بيد ثقيلة توضع على كتفه، فانتفض جسده في عنف، وهو يلتفت محدقاً في وجه صاحبها...

كان أحد أمناء الشرطة المعروفين، من طاقم الحرس الجامعي، مما جعل تامر يقول في عصبية شديدة، امتزجت بشيء من الخوف:
- ماذا تريد؟!

أشار أمين الشرطة بإبهامه خلفه، وهو يقول:
- الباشا يريدك في مكتبه.

ردّد تامر، في توتر متعاظم:
- الباشا؟!

أجابه أمين الشرطة في صرامة، وكأنما أغضبه ألا يطيع الأمر مباشرة:
- الباشا قائد الحرس.

شعر تامر بقلبه ينتفض بين ضلوعه، وهو يحدّق في وجه أمين الشرطة، بنظرة خوف من أي انفعال، على الرغم من تلك العاصفة، التي هبت على عقله..
لماذا يريده قائد الحرس الجامعي؟!

ماذا فعل؟!
ومتى؟!

"إنه مجرّد لقاء تعارف يا تامر"..

هكذا أجاب قائد الحرس الجامعي، وهو يستقبله في مكتبه، بابتسامة لا تمنحك أي شعور بالارتياح، فارتجف صوت تامر، على الرغم منه، وهو يسأله:
- ولماذا أنا؟!

اتسعت تلك الابتسامة غير المريحة، على شفتي قائد الحرس، وهو يقول، في بطء متعمّد:
- ولمَ لا؟! هل تحمل ضغينة خاصة تجاه الحرس الجامعي؟!

أجابه، في سرعة متوترة:
- لست أحمل أية ضغائن تجاه أية جهة.

رمقه قائد الحرس بنظرة طويلة، أشبه ما تكون بابتسامته الخاوية من المودّة، قبل أن يميل نحوه، ويسأله، في خبث واضح:
- فيم تتحاور أنت ومجموعتك إذن؟!

ارتدّ تامر في دهشة مصدومة، وحدّق في الرجل في دهشة بالغة، أشعرت هذا الأخير بابتسامة الظفر، فاتسعت ابتسامته أكثر، وهو يتراجع في مقعده الكبير، مكملا:
- يغضبكم عدم تعيين الدكتور عبد الله.. أليس كذلك؟!

غمغم تامر، بنفس الدهشة المصدومة:
- كيف عرفت؟!

أطلق قائد الحرس ضحكة ساخرة شديدة القصر، ولوّح بكفه، قائلاً:
- هذا أول درس ينبغي أن تتعلّمه.

وعاد يميل نحوه، مضيفاً في صرامة:
- أننا نعلم كل شيء.

اتسعت عينا تامر، وهو يحدّق فيه أكثر..

كيف علموا؟!
كيف؟!

لقد تحدّث مع رفاقه وحدهم..
لم ينضم إليهم أي شخص آخر غريب..
كانوا وحدهم.. تماماً..

وقبل أن يواصل الغرق في تساؤلاته، عاد قائد الحرس يبتسم، ويميل نحوه، وهو يكمل في زهو واضح:
- ثم إن أحد أفراد مجموعتك يعمل معنا.

واتسعت عينا تامر، حتى بلغ اتساعهما ذروته هذه المرة..
فقد كانت المفاجأة عنيفة..

إلى أقصى حد.
============
الثورة.. سامي
============
في شوارع وسط المدينة سار سامي شاردا..
حديث خالد عن الدستور، وتدخّل الأمن في تعيين الدكتور عبد الله، أيقظا في أعماقه لمحة، حاول التغاضي عنها طويلا..
بل هما لمحتان، لو شئنا الدقة..
الغضب..
والحرية..

من منظوره الخاص، كان يرى أننا نحيا جميعا في حالة غضب مستمرة..
غضب من النظام..
والأمن..
والاقتصاد..
والقهر..

غضب، صار مع مرور الوقت، يحكم كلا منا، حتى لو تظاهر بغير هذا..
ربما اعتاد دوما إخفاء ذلك الغضب في أعماقه..

غضب من ظروف اجتماعية جعلته مسئولا عن أسرته، على الرغم من وجود والده على قيد الحياة..
غضب من مجتمع لم يعد يبالي إلا بالأقوياء..
غضب من عنصرية متعصبة، راحت تنتشر من حوله في بطء..
غضب.. غضب.. غضب..

ولكن ذلك الغضب، الممتزج بالرغبة في الحرية، التي تعربد في أعماقه، ولّد داخله طاقة هائلة، تدفعه دوما إلى القيام بشيء ما..
شيء جديد..
مبتكر..
خلّاق..

لبعض الوقت مارس هواية الرسم، وحاول أن يبلغ بها مبلغا متميّزا، ثم أدرك أنه لن يبلغه، في وجود منافسين يفوقونه موهبة، فانتقل إلى مجال الكتابة، وحاول أن يرسم بقلمه، كما كان يرغب في أن يفعل بريشته..
ومرة أخرى لم يحقّق ما يصبو إليه..

ولكن هذا لم يوقفه، وإنما عاد يحاول، في إصرار مثير للإعجاب، في مجالات أخرى وأخرى، ليس بحثا عن موهبة خفية في أعماق نفسه، بل بحثا عن نفسه بذاتها..

وفي هذه المرة، ومع حديث خالد عن الدستور، والحقوق، والحرية، بدأ يجد ذاته..
وأدرك ضرورة أن يقرأ دستور بلاده؛ ليعرف حقوقه وواجباته..

مشكلته الوحيدة، كانت في أنه -على عكس الكثيرين من بني جيله- لا يشعر بأية متعة، في القراءة على شاشات الكمبيوتر..
كان يريد دستورا مطبوعا..

دستور يمكنه أن يحمله في جيبه، ويقرأه في أية لحظة، وأي مكان..
وبالسؤال، أخبره البعض أنه يمكن أن يجد غايته في مكتبة صغيرة، في ميدان الأوبرا، في وسط العاصمة..
وها هو ذا..

انتبه من شروده عندما بلغ تلك المكتبة، وشدّ قامته في اعتداد وهو يدلف إليها، ويسأل البائع عن نسخة من الدستور، بتعديلاته الأخيرة..

أدهشته ابتسامة البائع الحائرة، وهو يقول:
- الدستور؟! قليلون هم من في عمرك، ويأتون لطلبه..

أجابه سامي في رصانة، تحمل رنة صارمة:
- إنه دستور بلادنا.. أليس كذلك؟!

أومأ البائع برأسه إيجابا، وغمغم:
- ولكن ندرة هي من تأتي لطلبه.

صمت لحظة، ثم استدرك في سرعة:
- من الشباب.

سأله سامي في قلق، وهو يتحسّس جيبه:
- أهو مرتفع الثمن؟!

هزّ البائع كتفيه، وهو يسحب من أحد الأرفف كتابا من القطع الصغير، ويناوله إياه:
- بل هو زهيد الثمن للغاية.

أمسك سامي الدستور بيده، وسرى منها إلى جسده شعور عجيب، جعله يسأله، في حماس مفاجئ:
- ألديك نسخ أخرى؟!

وبنفس الحيرة المندهشة، غمغم البائع:
- أتريد المزيد؟!

غادر سامي المكتبة منتشيا، وهو يحمل كيسا من البلاستيك الشفاف، بداخله عدة نسخ من الدستور المصري المعدّل..
لقد حصل على نسخة لكل فرد من المجموعة، حتى خالد ونهى، مع ثقته في أنهما يمتلكان نسخ مطبوعة..

شيء ما في داخله، جعله يرغب في أن يحملوا جميعا النسخة نفسها، بنفس الغلاف، ونفس القطع.. حتى يبدوا كمجموعة مترابطة على الأقل..

ابتسم للفكرة، وهو يواصل طريقه نحو أقرب محطة لمترو الأنفاق، دون أن ينتبه إلى ذلك البدين الفظّ، الذي كان يتبعه كظله، والذي التقط هاتفه المحمول، وطلب رقما سريا، ثم قال في شيء من الغلظة:
- صفوت باشا.. الولد ابتاع عدة نسخ، من كتاب واحد..

سأله ضابط أمن الدولة في اهتمام صارم:
- أي كتاب هذا؟!

حثّ البدين خطاه، حتى اقترب من سامي، وألقى نظرة عبر الكيس الشفاف على الكتب، ثم تراجع عدة خطوات، ليجيب ضابطه:
- الدستور المصري يا باشا.

انعقد حاجبا الباشا في شدة، وهو يردّد في انفعال، وكأنه وقع على صيد ثمين:
- الدستور؟! كنت واثقا من أنهم يدبّرون شيئا.

ثم عاد يقول، في انفعال صارم، عبر الهاتف:
- لازم هذا الولد كظله يا رجب.. أريد معرفة كل شيء عنه، من عنوان سكنه، وحتى مقاس ملابسه الداخلية.. هل تفهم؟!

أجابه البدين بنفس غلظته، التي بدا وكأنها جزء من تكوينه:
- أمرك يا باشا.

واصل تعقّبه المتصل، حتى بلغ سامي مترو الأنفاق، فهبط خلفه، واستقل معه القطار نفسه..
وفي نفس اللحظة التي انطلق فيها القطار، كان صفوت في مكتب رئيسه، يقول في انفعال:
- المعلومات التي تلقيتها على التوّ، تؤكّد ما ذهبت إليه منذ البداية يا باشا.. إنه تنظيم مناهض للحكم.

قلّب رئيسه الملف الذي أمامه، وهو يقول:
- ولكن الملف شبه خالٍ يا صفوت.. هؤلاء الأولاد لم تكن لهم أية علاقة بالسياسة، في أية فترة من فترات حياتهم، والتحريات تقول: إنهم ليسوا من جماعة الإخوان المسلمين، وليسوا منضمين إلى أية أحزاب.

قال صفوت بنفس الانفعال:
- ربما كانت لهم صلة بالنظام الإيراني.

ابتسم رئيسه ابتسامة باهتة، وهو يقول في خفوت:
- إنه مجرد تخمين.

ارتفع انفعال صفوت، وهو يقول:
- راجع الملف جيدا يا باشا.. لقد فر أحدهم من كمين، بعد أن بدؤوا في الكشف عن هويته.

سأله رئيسه في هدوء:
- أكان مدانا بأية تهمة؟!

تجاهل صفوت السؤال، متظاهرا بأنه لم يسمعه، ومواصلا في انفعال:
- آخر وقف في كافيه عام يدعو الزبائن لقراءة الدستور، ومعرفة حقوقهم.

بدا الاهتمام على رئيسه، وهو يغمغم في قلق:
- حقا؟!

تابع صفوت، وقد انضم حماسه إلى انفعاله:
- في الجامعة، اجتمعوا لمناقشة عدم تعيين الدكتور عبد الله لرياسة القسم.

تزايد اهتمام رئيسه، وارتكن بذقنه على سبّابته وإبهامه، وبدأ يعيد قراءة الملف، فاعتدل صفوت، وتألقت عيناه في ظفر، وهو يقول:
- الأخطر لم يرد في الملف بعد.

رفع رئيسه عينيه، يسأل في اهتمام:
- وما هو؟!

مال صفوت نحوه، وضخّ في صوته مقدارا من الحسم، وهو يقول:
- أحدهم ابتاع عدة نسخ من الدستور المصري، منذ أقل من نصف الساعة.

ارتفع حاجبا رئيسه، وهو يهتف في خفوت:
- الدستور؟!

ثم تهاوى حاجباه لينعقدا في شدة، وهو ينهض من خلف مكتبه، فنهض صفوت واقفا بدوره، وتابعه ببصره، وهو يدور في الحجرة، في توتر ملحوظ، أيقن معه بأنه قد فاز باهتمامه، قبل أن يتوقف رئيسه، ويلتفت إليه، قائلا:
- من الواضح أنه أمر خطير بالفعل يا صفوت.

ابتسم صفوت، قائلا:
- هذا ما كنت أقوله يا باشا.

شد رئيسه قامته، وعقد كفيه خلف ظهره، وهو يقول في صرامة:
- راقب منازلهم، وتابعهم أينما ذهبوا يا صفوت، وأريد تسجيلات لكل ما يقال عبر هواتفهم، وأريد تقريرا يوميا على مكتبي.

تألّقت عينا صفوت، وهو يقول:
- أمرك يا باشا.

وفي أعماقه، انطلقت ضحكة ظافرة، راحت تحلم معه بترقية كبيرة..
بحق.
============
الثورة.. أحمد
============
في تكاسل -كالمعتاد- فَتَح (أحمد) عينيه في الصباح، وتثاءب في بطء، قبل أن يفرك عينيه، ويمدّ يده ليلتقط نسخة الدستور، التي أهداه إياها (سامي).

وعلى الرغم من تكاسله الصباحي هذا، لم يكن يمكنك أن تصف (أحمد)؛ إلا بأنه شاب شديد الحيوية، جمّ النشاط، لا يمكنك أن تُحصي كمّ هواياته أو اهتماماته؛ خاصة أنه كتوم بطبعه، يصعب أن تقرأ من ملامحه ما يدور بخلَده.

كان الوحيد بين رفاقه، الذي قلما تحدَّث عن حياته المنزلية؛ فهو يرى أن أموره الشخصية حِكْر له وحده، لا يجوز للآخرين مجَّرد الاطلاع عليها.

لم يكن متفوقاً في حياته الدراسية؛ ربما لأن الأسلوب الذي تُدرّس به مواده الدراسية، لم يكن يرقى إلى مستوى طموحاته الأدبية أو العلمية.

ولكنه -وبكل المقاييس- شاب ملتزم، يمكنك الاعتماد عليه، وكتمان أسرارك في خزانة صمته.

ولقد راقت له هدية (سامي) للغاية؛ وخاصة بعد كل ما حدث، وما يتابعه عبر شبكة الإنترنت، عن أخبار التحقيقات في قضية الشرطة في (الإسكندرية)، والتظاهرات هناك؛ للمطالبة بمعاقبة قاتليه أشد العقاب، وما أعقب هذا من تصريحات الداخلية، التي حاولت أن تنسب إليه شتى التهم، وكأن هذا يبيح لهم قتله، بهذه الوسيلة الوحشية، اللا آدمية، والمسعورة.

لم يفهم أبداً ما الذي يحاول الأمن الوصول إليه بالضبط، بحمايته الهستيرية هذه، لرجال تجردّوا من إنسانيتهم، وتمادوا في جبروتهم، إلى حد قتل شاب أعزل، أمام عشرات الشهود، دون ذرة من الرحمة أو الشفقة.

أي دور يلعبه الأمن بالضبط؟ خدمة الشعب وحمايته، أم عبودية النظام، وبلوغ أحطّ الأساليب، في سبيل هذا؟!

مطالعته للدستور تؤكّد أن الشرطة في خدمة الشعب، وليس النظام الحاكم..
وهذا أمر، ينبغي أن يكون طبيعياً ومنطقياً؛ فالنظام زائل، والشعب باقٍ..
هو يدرك هذا..
ورفاقه يدركون هذا..
والدنيا كلها تدرك هذا..

ولكن العجيب أنه، لا النظام ولا أمنه يُدركون هذا..
كلاهما راهَن على أمر يخالف كل منطق وعقل..
كلاهما راهن على أن دوام الحال ليس من المحال..
ويا له من رهان خاسر!

بلغ هذه النقطة؛ فنفض عنه التكاسل دفعة واحدة، ونهض من الفراش، وهو يحمل نسخة الدستور التي لم تفارقه، وهو يمارس طقوسه الصباحية المعتادة، وحتى خرج إلى الشرفة ليكمل مطالعتها في الهواء النقي، كما يعشق..
وهناك، لمح ذلك الرجل..

كان يجلس على مقعد صغير إلى جوار ذلك الكشك، المواجه لمنزله، على الجانب الآخر من الشارع، ويتطلّع إليه مباشرة، في اهتمام واضح..

لم تكن المرة الأولى، التي يلمحه فيها، في الموضع نفسه، وبالنظرة نفسها؛ فمنذ عدة أيام، يتّخذ نفس المجلس، من الصباح إلى قرب غروب الشمس، دون أن يرفع عينيه عن الشرفة لحظة واحدة.. لمحه (أحمد)، وإن تظاهر بعكس هذا، وراح يقرأ الدستور بضع لحظات، ويراجع بعض مواده، الخاصة بالحريات، ثم لم يلبث أن عاد إلى الداخل، وأغلق الشرفة..

أو أنه -في الواقع- تظاهر بهذا..

فمن خلال فرجة ضيقة، راح يراقب ذلك الرجل؛ ليتأكّد من أنه على حق؛ فالرجل بالفعل لم يرفع عينيه عن الشرفة أبداً..

وعلى الرغم منه، شعر (أحمد) بمزيج من الخوف والقلق، يتسلّل إلى أعماقه..
ذلك الرجل تنقصه لافتة مضيئة، تشفّ عن هويته الواضحة؛ فهو نسخة طِبْق الأصل من المخبرين، كما تصوّرهم أفلام السينما..

ضخم، أسمر، غليظ الملامح، له شارب ضخم، يبدو من ضخامته أنه يحاول أن يخفي به ضعفاً آخر، ينغّص لياليه..

ولقد أثار هذا خوف وقلق (أحمد) أكثر..
فلماذا يراقبه مخبر من الشرطة؟
لأي سبب..

راح يراجع تصرفاته، خلال الشهر الماضي كله؛ فلم يجد فيها ما يمكن أن يكون سبباً لهذا..
أي سبب!!

واصل مراقبة الرجل لنصف ساعة كاملة، قبل أن يعود إلى حجرته، ويلتقط هاتفه المحمول؛ ليقول عبره هامساً، وكأنه يخشى أن يسمعه الرجل:
- (خالد).. هناك أمر مقلق.

سأله (خالد) في اهتمام:
- أي أمر؟!

أجابه بنفس الهمس المتوتر:
- هناك مخبر يراقب منزلنا، منذ ما يزيد عن الأسبوع.

لم يتلقّ جواباً لبضع لحظات؛ حتى إنه هتف في صوت عصبي خفيض:
- (خالد).

أجابه (خالد) في رصانة، حملت رنة قلق:
- أنا هنا يا (أحمد)، ولكنني أتساءل: لماذا يراقب هذا المخبر منزلكم؟!

قال ( أحمد ) في توتر:
- ولماذا أسألك، لو أنني أعلم؟!

صمت (خالد) لحظات أخرى، ثم قال في حزم:
- ليس هذا من حقه، ما دمتَ لم ترتكب شيئاً.

انقلب توتر (أحمد) إلى لهجة عصبية، وهو يقول:
- لسنا هنا في حوار حول الحقوق والواجبات.. إنه هنا، وأريد أن أعرف ما الذي ينبغي أن أفعله في هذا الشأن..

أجابه (خالد) على الفور:
- واجهه.

ارتدّ (أحمد) في دهشة، وهو يقول مستنكراً:
- أواجهه؟!

أجابه (خالد) في حماس:
- نعم.. واجهه، وسلْه لماذا يراقب منزلكم.. لا تخشَه؛ لأن هؤلاء يكتسبون قوتهم من ضعفنا، وجبروتهم من خوفنا.. إنهم أشبه بخفافيش الكهوف، يعملون فقط في الظلام؛ فلو أضأت الضوء، فروا واختفوا.

هزَّ (أحمد) رأسه في عصبية، وهو يقول:
- لست مستعداً لسماع محاضرتك الفلسفية هذه الآن.. أخبرني بأسلوب منطقي؛ للتعامل مع الموقف.

سأله (خالد) في حدة:
- ولماذا تسألني أنا، ما دمت ترفض فلسفتي؟!
هتف (أحمد) في تلقائية عصبية:
- لأنك زعيمنا.
بدَت دهشة (خالد) واضحة في صوته، وهو يقول:
- أنا؟!

هتف به (أحمد)، وهو يحاول خفض صوته بقدر المستطاع، على الرغم من انفعاله:
- ألست من بدأ كل هذا؟ ألست من أثار لدينا فكرة الدستور والحقوق؟ ألست من طلب منا دراسته وفهمه؟
لم يسمع (صفوت) باقي العبارة، وهو يراجع تسجيل المحادثة، وبرقت عيناه، على نحو أشبه بعيني الصياد، عندما تقع طريدته في الفخ، وغمغم في ظفر:
- آه.. هو الزعيم إذن!

أضاف المعلومة -التي بدت له شديدة الخطورة- إلى ذلك التقرير، الذي أعدّه لتقديمه إلى رئيسه، وحمل الملف في ثقة وزهو، واتجه إلى مكتب هذا الأخير، وطرق الباب طرقة واحدة، ثم دخل مباشرة..

كان رئيسه منهمكاً في حديث تليفوني هام؛ فأشار إليه بالجلوس، وهو يقول عبر الهاتف:
- لا تقلق أبداً يا سيادة النائب.. مظاهرات (الإسكندرية) و(القاهرة) محدودة، وجاري السيطرة عليها.. لا.. لا تشغل جنابك بهذا..

البلد في قبضتنا تماماً، وسيادة الوزير لديه خطة مضمونة، للقبض عليها بقبضة من حديد.. اطمئن.

أنهى المحادثة، وأطلق زفرة متوترة، ومسح عرقاً وهمياً عن جبهته، وهو يقول:
- هذا الولد، الذي قتلوه في (الإسكندرية)، أصبح صداعاً كبيراً في رءوسنا جميعاً.. الناس تتعامل كما لو أننا قتلنا (عنترة بن شداد)..

غمغم (صفوت):
- هوجة عيال يا باشا، سنرصد أسماء القائمين عليها، ونعمل على اعتقالهم جميعاً.

لوّح رئيسه بكفه، قائلاً:
- الأمر ليس بهذه البساطة يا (صفوت).. هناك ناشطون عديدون، انضموا إلى تلك المظاهرات، وأسماء لامعة، يصعب المساس بها.

عقد (صفوت) حاجبيه، وهو يقول في صرامة:
- لا يوجد من لا يمكن المساس به.

أومأ رئيسه رأسه، وهزَّ كتفيه، ولوّح بيده في وقت واحد، على نحو لا يحمل أي معنى بعينه، وجلس خلف مكتبه، وهو يقول، ولم يفارقه توتره بعد:
- ماذا لديك؟!

وضع (صفوت) الملف على مكتبه، وربَت عليه في اتّعاظ، وهو يقول:
- اكتملت الصورة يا باشا.

أمسك رئيسه الملف، وهو يسأله:
- هل توصّلت إلى جديد؟!

أجابه (صفوت) في زهو:
- رصدنا كل تحركات تنظيم (الدستور) الجديد يا باشا، واليوم عرفنا من هو زعيم.

وأشار إلى اسم (خالد) على الملف، مضيفاً:
- هذا.

ألقى رئيسه نظرة مطوّلة على الأسماء، ثم رفع عينيه إليه، والتقط نفساً عميقاً، لم ينجح في إخفاء أو تخفيف توتره، وهو يقول في حزم:
- نفّذ يا (صفوت)..

وعادت عينا (صفوت) تلتمعان..
لقد بدأ التنفيذ..
أخيراً.
============
الثورة.. صفوت
============
ارتسمت ابتسامة باهتة عجيبة على وجه نيفين زوجة صفوت، وهي تشاهد هذا الأخير يختبر مسدسه، ثم يدسه في حزامه، في حركة استعراضية مبتذلة.. ابتسامة تجمع بين السخرية والاشمئزاز والمرارة..

والمدهش هنا أن نيفين قد تزوّجت صفوت بملء إرادتها، عندما تقدّم لطلب يدها منذ ثلاث سنوات..

صحيح أنها لم تكن تعرفه -شخصياً- معرفة جيّدة، ولكن أحاديث شقيقته عنه، وانبهارها بقوته وسطوته، جعلاها تتصوّر أنه الشخص المناسب للزواج، وتأمين الأمن والحماية لها..

ربما لأن نيفين تعاني، منذ حداثتها، من ضعف شخصية والدها، الذي سيطرت عليه أمها تماماً، منذ وعت عيناها الدنيا، حتى إنها باتت تحلم برجل قوي، يسيطر هو عليها، بشخصيته وحبه وحنانه، ولأن شقيقة صفوت زاملتها في الكلية، وأطالت في الحديث عنه، لم يكن من الصعب قبول الزواج منه، فور تقدّمه، خاصة وأنه كان يمتلك شقة صغيرة، مجاورة لسكنها، في نفس الحي..

ولقد تمت الزيجة في سرعة؛ لأن والدها أكّد أنه لن يقبل خروج ابنته مع خطيبها، قبل عقد قرانهما..

في البداية، كان صفوت شخصاً عادياً، ارتاحت معه، وتصوّرت أن أحلامها قد تحققّت.. حتى كان ذلك اليوم، الذي قرّر فيه أن يبهرها، ويريها مدى سطوته وسلطاته..

كانا يبتاعان بعض الفاكهة من بائع معروف، في حي المعادي، حيث يسكنان، وكان البائع منشغلاً بإنهاء معاملة مع زبون سابق، وبدا لها الأمر عادياً، وانتظرت حتى ينهي البائع معاملته، ثم يلتفت إليهما..
ولكن صفوت لم يقبل بهذا..

لقد فوجئت به يسبّ البائع، ويعامله بقسوة غير مفهومة، حتى إن الزبون ترك الفاكهة وانصرف، وعندما اعترض البائع على أسلوب صفوت وسبابه، جنّ جنون هذا الأخير، وتحوّل إلى وحش شرس، فأخرج مسدسه، وراح يضرب أقفاص الفاكهة، ويبعثرها أرضاً، ونيفين تصرخ..
وتصرخ..
وتصرخ..

ثم لم يكتفِ صفوت بهذا، أو يبالي حتى بصراخها، وإنما أصّر على اصطحاب البائع إلى قسم الشرطة، صائحاً في من تجمهروا أنه ضابط في أمن الدولة، وكأن هذا يمنحه حق سب المواطنين والاعتداء على حريتهم..

يومها عاد معها إلى المنزل منتشياً، بعد أن تم احتجاز البائع في القسم، وعلت شفتيه ابتسامة ظافرة، جعلتها تشعر بالاشمئزاز والغثيان، حتى إنهما ما إن وصلا إلى المنزل، حتى هرعت إلى الحمام، تفرغ ما في جوفها عن آخره..

ومنذ ذلك اليوم، الذي اعتبره هو قمة انتصاره، لم تعد هي تطيق النظر إلى وجهه..

حتى عندما كان يمارس معها حقوقه الزوجية، كانت تقاوم في صعوبةٍ ذلك الشعور بالاشمئزاز، الذي يملأ نفسها، ولم تجد أمامها سوى أن تتخلى ذهنياً عن جسدها، وتطلق فكرها في اتجاه آخر..
أي اتجاه آخر..

ومنذ ذلك اليوم أيضا بدأت -سراً- في الانتظام على أقراص موانع الحمل..
لم يكن من الممكن أن تتصوّر نفسها أمّا لطفل من صلب هذا الوحش..
كان هذا وحده يصيبها بالغثيان..

وكان من الطبيعي، مع فتورها، ورحلة الابتعاد بعقلها عن جسدها، أن ينتبه هو إلى هذا..
والعجيب أنه لم يحاول التساؤل لحظة واحدة عن الأسباب..
لم يحاول أن يفهم..
فقط غضب..
وبشدة..

ورويداً رويداً، تباعدت لحظات لقاءاتهما الزوجية، حتى كادت تنعدم، في الأشهر القليلة الماضية.
ولقد جعله هذا أكثر عنفاً وشراسة، وأكثر إصراراً على إثبات قوته وسطوته وجبروته، دون أن يدري أن هذا يبعدها عنه أكثر وأكثر..

ولقد لاحظت، في الأيام الأخيرة، أنه منشغل بمن أسماهم "عيال الدستور"، ولقد سخرت من المصطلح، وتساءلت عما يشغله بشأنهم، ما داموا "عيال" كما يُطلق عليهم..

"أنت لا تفهمين شيئاً"..
قالها وهو يلتقط سترته في عصبية، فجلست على مقعد قريب، تسأله، ورنّة السخرية لا تفارق صوتها:
- حقاً لست أفهم لماذا ينشغل أمن الدولة بشباب يعتبرهم مجرّد عيال!

انعقد حاجباه، وهو يقول في عصبية:
– هؤلاء العيال يرتّبون لأمر خطير.

سألته بنفس اللهجة:
- أي أمر خطير يمكن أن يقوم به عيال؟!

بدا نافد الصبر، وهو يقول:
- نظرتك سطحية؛ لأنك تجهلين طبيعة عملنا.. إننا لا نلعب، بل نحمي الوطن من أعدائه.

اتسعت ابتسامتها الساخرة، وهي تقول:
- أحمد سبع الليل أبو سريع!

التفت إليها في دهشة عصبية متسائلا، فاعتدلت تفسّر وابتسامتها الساخرة تملأ شفتيها:
- إنه اسم أحمد زكي في فيلم البريء.. كان يتصوّر طوال الوقت أنه يحارب أعداء الوطن، حتى فوجئ بصديق عمره بين المعتقلين، فأدرك فجأة أنه يحارب الوطن نفسه.

قال في حدة:
- أي تفسير سخيف هذا؟! هل ستقارنين عملنا الخطير بفيلم سينمائي سخيف؟

اعتدلت أكثر تسأله:
- ما مفهوم الوطن لديك يا صفوت؟!

رفع عينيه إليها، في دهشة غاضبة مستنكرة، لم تمنعها من أن تتابع في اهتمام:
- الوطن ليس النظام الحاكم.. إنه الشعب، الذي يفترض أن تخرج منه أية أنظمة حاكمة، وعندما تقبض على الشعب لحماية النظام، فأنت لا تحمي الوطن، بل تحارب الوطن.

قال في حدة غاضبة:
- يمكنني أن أعتقلك لهذا الرأي المتطرّف.

اتسعت ابتسامتها الساخرة، ورفعت إليه يدها، وعقدت معصميها، وهي تقول:
- هيا افعل.. لن أقاوم؛ فربما يُدخلني هذا التاريخ.

رمقها بنظرة غاضبة، وقال وهو يتجه نحو الباب:
- لن أضيع وقتي في هذه التفاهات..

تراجعت في مقعدها مبتسمة، وكأنما يروق لها أن استفزته على هذا النحو، وسألته قبل أن يفتح الباب:
- كم عربة أمن مركزي، ستخرج لإلقاء القبض على هؤلاء "العيال"؟

رمقها بنظرة ناقمة، دون أن يجيب، فتابعت في سخرية مستفزة:
- إنها الثالثة صباحاً، وأنتم ستنقضّون عليهم مع الفجر تقريباً.. ألا يجعلكم هذا نسخة مكرّرة من زائر الفجر، الذي نسبوه إلى عصور سابقة، وصموها بالديكتاتورية؟!

عاد يرمقها بتلك النظرة الناقمة، قبل أن يندفع خارجاً بلا جواب؛ حتى لا تلقي المزيد من التساؤلات، التي تستفز كل ذرة من كيانه..
ولكن الغضب كان يعربد في أعماقه بشدة..
لقد استخدم معها من قبل حتى أن يتزوّجها، كل ما تعلّمه في أمن الدولة..

طلب من شقيقته أن تكثر من الحديث عنه، وتبدي انبهاراً زائفاً بشخصيته ومدى سطوته، ثم استخدم كل هذا عندما تقدّم لطلب يدها، وفي شهور زواجهما الأولى حتى كانت واقعة بائع المعادي..

يومها وجدها فرصة ممتازة؛ ليستعرض أمامها سلطاته، وافتعل ذلك الشجار العنيف، و..
وتغيّر كل شيء..
لقد نفرت منه، بدلاً من أن تقدِم عليه..

شعر بهذا منذ أول لقاء زوجي بينهما، ولكنه لم يفهمه جيداً، إلا بعد عدة مرات متتالية..
ولم يناقشها في الأمر أبداً..
لم ترضِ كرامته، أو قل غطرسته، بمناقشة أمر كهذا..

وعدم قدرته على مناقشتها في وضوح أورثه غضباً لا ينتهي، وأوضح له مدى ضعف شخصيته، الذي يختفي خلف قناع القوة والسلطة والجبروت، الذي حازه بحكم موقعه ورتبته..

وربما كان هذا الشعور الدفين بضعف الشخصية، هو الذي جعله شهيراً، في أوساط أمن الدولة، بالشراسة والعنف..

انتزع نفسه من أفكاره، وهو يدلف إلى سيارة أمن الدولة، ويسأل الجندي المرافق له:
- كم سيارة أمن مركزي معنا؟!

أشار الجندي بسبّابته ووسطاه، مجيباً:
- اثنتان.

التقط صفوت نفساً عميقاً، وهو يقول:
- عظيم.

وأصدر الأمر بانطلاق السيارات، وبدء عملية، أطلق عليها اسماً، لم يدرك -لضعف ثقافته- ما فيه من مفارقة..
"عملية الدستور".
============
الثورة.. الدكتور عبد الله
============
التقط الدكتور عبد الله نفساً عميقاً، من هواء الفجر الرطب، وهو يخرج من البناية التي يقطن بها، في ذلك الحي الشعبي، المجاور لحي المهندسين الراقي..

كان هذا هو الحي الذي وُلِد ونشأ فيه، والذي رفض أن يغادره، بعد أن أصبح أستاذاً في كلية الطب، واسماً شهيراً، في مضمار العلاج النفسي..

والدكتور عبد الله رجل بسيط المشاعر، هادئ النفس، شديد التواضع والالتزام، وتربطه علاقات موّدة وصداقة بكل سكان الحي تقريباً، مع اختلاف طبقاتهم، خاصة أنه تجمعهم دوماً صلاة الفجر، التي يحرص على أدائها في المسجد القريب، منذ حداثته..

وفي ذلك الفجر كان يشعر بشيء من الانقباض، لم يدر له سبباً؛ فهو لم يبالِ كثيراً بعدم قبول الأمن لتعيينه رئيساً للقسم؛ لأن المناصب لم تكن يوماً أحد أهم اهتماماته، ولم يكن مستعداً لدخول لعبة الحزب، ليجد له مكاناً على القمة..

كان يؤمن فقط بالكفاءة.. والكفاءة وحدها..

وكثيراً ما نصحه بعض زملائه، من أعضاء هيئة التدريس، بالانضمام إلى الحزب الوطني الحاكم؛ حتى يضمن مكاناً مرموقاً، ولكنه رفض الفكرة من أساسها، وقرّر أن يظلّ مستقلاً، ورزقه على الله سبحانه وتعالى، كما يقول الناس في الأحياء الشعبية..

لقد كان ذلك الانقباض حتماً لسبب آخر..

سبب لم يدركه في عقله الواعي، وربما يكمن في عقله الباطن، كما تقول دراسته..

ولأنه لم يدرك ذلك السبب الخفي، فقد حاول طرح شعوره هذا جانباً، وهو يبتسم في وجه الحاج فؤاد الميكانيكي، الذي اعتاد مرافقته يومياً إلى المسجد، والذي استقبله بمرحه المعتاد، هاتفاً:
- صباح الورد يا أستاذ الأساتذة.

أجابه في موّدة:
- صباح الخير يا حاج فؤاد..أراك مرحاً كالمعتاد.

بهتت ابتسامة الحاج فؤاد، وهو يقول:
- وماذا لدينا سوى هذا يا دكتور؟! الحياة خلت من المرح فأحاول دفع بعضه إليها حتى لا أموت همّاً.

سأله الدكتور عبد الله ، وهما يتجهان نحو المسجد:
-أما زالت مشكلتك مع الضرائب قائمة؟!

أومأ الحاج فؤاد برأسه إيجاباً، وقال:
- وستظل قائمة، فالضرائب تتعامل معنا كما لو أنها جهاز جباية، لا يبالي باحتياجاتنا وبحقائق الحياة.. تصوّر أنهم يرفضون خصم مصروفات العلاج من الوعاء الضريبي، حتى لو كانت تفوق أرباحك، وحتى لو كانت مؤيدة بفواتير من مستشفيات حكومية.

مطّ الدكتور عبد الله شفتيه، وقال:
- مع الأسف.

تابع الحاج فؤاد، وقد بدأ الغضب يتسلّل إلى صوته:
- وتلك الضريبة العقارية الجديدة.. أي عقل شيطاني أبدعها.. هل يُعقل أن تؤخذ ضريبة عن شقة تقيم بها، ولا تربح منها قرشاً واحداً؟! أهذا عدل؟!

حاول الدكتور عبد الله أن يجيبه، ولكن الرجل كان منفعلاً، فواصل بانفعاله:
- لي قريبة تسكن في شارع شهاب في المهندسين، اشترى زوجها شقتهما، عندما كان حي المهندسين هذا منطقة زراعات، ودفع فيها أربعة آلاف وخمسمائة جنيه، ثم توفي، ودارت الأيام، وأصبح الشارع من أرقى شوارع الحي، ولكن الزوجة المقيمة في الشقة لا تملك سوى معاش زوجها، الذي يقلّ عن الألف جنيه، تنفق ما يقرب من نصفها على العلاج، والشقة تساوي بوضعها الحالي، مليون جنيه تقريباً، وهذا يعني أن تطالبها الضرائب بما يفوق ما تبقى لها من دخل، كضريبة عقارية، افترضت أنها تؤجر مسكنها بقيمة وهمية.. أهذا عدل؟!

غمغم الدكتور عبد الله:
- كلا بالتأكّيد.

واصل الحاج فؤاد، وانفعاله يتصاعد:
- ثم ماذا سيفعلون بها عندما تعجز عن السداد؟! هل سيقدّمونها إلى المحاكمة والسجن؟! وكيف يدفع المرء ضريبة عن مسكن يقيم فيه؟! ماذا لو قررّوا اعتبار أن كل من يملك سيارة يؤجرها، ويطالبون بضريبة عليها أيضا؟!

لم يجبه الدكتور عبد الله، أو لم يستمع إليه تقريباً، بعد أن تركّز اهتمامه على عربة أمن مركزي، تتحّرك لتسد الطريق المؤدي للمسجد..
وشعر بأن انقباضته كان لها ما يبررّها..

شعر بهذا، قبل حتى أن توضع يد ثقيلة على كتفه، ويسمع صوتاً غليظاً من خلفه يقول:
- دكتور عبد الله.

التفت مع الحاج فؤاد، ليرتطم بصرهما بعدد من الناس، يرتدون ثياباً مدنية، لم يدر أحدهما كيف وصلوا خلفهما مباشرة، دون أن يشعرا بهما..
وفي عصبية قال الحاج فؤاد:
- من أنتم؟!

لم يكن الدكتور عبد الله ينتظر الجواب، عندما قال صاحب الصوت الغليظ، في لهجة تهديدية ردعية واضحة:
- أمن الدولة.

امتقع وجه الحاج فؤاد، وتراجع خطوتين إلى الخلف، في حين غمغم الدكتور عبد الله، في هدوء، لا يدري كيف جاء إلى صوته:
- كنت أنتظركم في الواقع.

ابتسم صاحب الصوت الغليظ ابتسامة ذئب، وهو يقول:
- هذا سيسهّل الأمور كثيراً.

اندفع الحاج فؤاد يقول في حدة:
- بأية تهمة..

قاطعه الدكتور عبد الله بإشارة حازمة من يده، في حين التفت إليه الغليظ بنظرة قاسية متوعدة، جعلت الدكتور عبد الله يقول:
- اذهب إلى المسجد يا حاج.. واصل طريقك.. أرجوك.

انعقد حاجبا الحاج فؤاد، وهو ينتفض، قائلا:
- وهل أتركك وحدك؟!

قال صاحب الصوت الغليظ في صرامة:
- أتحب أن تنضمّ إليه.

هتف الدكتور عبد الله:
- أرجوك يا حاج.. واصل طريقك.

ثم أدار عينيه إلى الغليظ، متابعاً في استسلام:
- سأذهب معهم.

نقل الحاج فؤاد بصره، بين الرجال والدكتور عبد الله، الذي ربّت على كتفه، وحاول أن يرسم ابتسامة باهتة على شفتيه، وهو يشير إلى المسجد، ثم يتجه مع الغليظ نحو سيارة رباعية الدفع، تنتظر عند بداية الطريق..

وبسرعة، انطلقت السيارة، ليس لتغادر المكان، بل لتقف أمام منزل الدكتور عبد الله، ويهبط منها الرجال، مع ركّاب سيارة أخرى مشابهة، ويصعدون إلى شقته..

وفي ذهول غاضب خائف، تابع الحاج فؤاد ما يحدث، وغمغم:
- هذا غير قانوني..غير قانوني بالتأكيد.

لم يدر وهو ينطقها، أنه في هذه اللحظة بالذات، كانت والدة نهى تستيقظ مذعورة، على صوت طرقات قوية على الباب، في تلك الساعة، وسرعان ما انضمت لها نهى وشقيقتها، وهي تهرع إلى الباب في خوف، متسائلة:
- من بالباب؟!

أتاها صوت صفوت صارماً، يقول:
- أمن الدولة..

ارتجفت كل خلية من جسدها، وهي تسأل مذعورة:
- أمن الدولة؟! وماذا يريد منا أمن الدولة؟!

قال صفوت في حدة:
- هل تنوين فتح الباب بإرادتك، أم نقتحم المكان؟!

أسرعت تفتح الباب مرتجفة، ولم تكد تفعل، حتى فوجئت بجيش من الرجال يندفعون إلى الداخل، وينتشرون في الشقة، على نحو جعل شقيق نهى يهتف مستنكراً:
- ماذا يحدث هنا؟!

تجاهله صفوت تماماً، وهو يلتفت إلى نهى، قائلاً في صرامة:
- أنت نهى؟!

ضمّت نهى معطفها المنزلي على صدرها، وهي تقول في توتر شديد:
- نعم..أنا نهى، وما تفعلونه غير قانوني وغير دستوري، و...

قاطعها في صرامة، وقد التمعت عيناه:
- غير دستوري؟! يبدو أنك لم تقرئي جيداً التعديلات الدستورية الأخيرة، أيتها المناضلة.

نقلت أمها بصرها بينهما في ارتياع، وهي تغمغم مرتجفة:
- مناضلة؟! هل تقصد نهى بقولك هذا؟!

التفت إليها بنفس العينين المتألقتين، وهو يقول، في تشف واضح:
- ابنتك عضو نشط في تنظيم سري جديد.

هتفت نهى، في دهشة مستنكرة:
- تنظيم ماذا؟! أي تلفيق هذا؟!

خرج أحد الرجال من حجرتها، في هذه اللحظة، وهو يحمل نسخة الدستور، التي أهداها لها سامي، وهو يقول بلهجة ظافرة:
- عثرت على الدليل يا باشا.

اتسعت عيون الأم وولديها دهشة، وهتفت نهى مستنكرة:
- أي دليل؟! إنه الدستور المصري.

تألّقت عينا صفوت أكثر، وهو يقول:
- نفس النسخة، التي ضبطت كميات منها، عند سامي مسئول التثقيف في التنظيم.

فغرت نهى فاها دهشة، وبدا شقيقها مصدوماً، في حين غمغمت أمها، وهي تكاد تفقد وعيها:
- تنظيم ومسئول تثقيف؟! الدليل الذي تتحدّث عنه هو الدستور المصري، وليس الدستور الإسرائيلي، وحيازته، وفقاً لمعلوماتي المحدودة، ليست جريمة.

ابتسم صفوت في سخرية، وتألّقت عيناه أكثر وأكثر، وهو واثق من أن قضية هذا التنظيم الجديد ستصنع مانشيتات صحفية قوية..

وستصنع بالتأكّيد ما يحلم به..

الترقية.