Monday, August 15, 2011

بنك الطعام ، و البطاطين

 اتصلت سيدة عجوز ببنك الطعام تطلب حضور مندوب لاستلام خمسة بطاطين تبرعا منها لصالح ضحايا السيول وتركت عنوانها بالتفصيل.. ميدان ثم شارع ثم حارة ثم حارة أخرى ثم دكان بقال ثم بيت!.

وصل مندوب البنك بصعوبة بالغة إلى مكان إقامة السيدة العجوز، فوجدها عجوزا أكثر مما تصور، هزيلة أكثر من أى توقع، بسيطة أقل من كل فقر، تسكن غرفة صغيرة لاتدخلها الشمس تحت بئر سلم!.

استقبلت موظف البنك باشتياق شخص يبحث عن ضوء فى عتمة، أصرت على أن تعد له واجب ضيافة كوب من الشاى وهى تقدمه قالت له:.. «الشاى يا ابنى من يد خالتك كرمة، بالهنا والشفا، والله كوبياتى نضيفة وزى الفل، ماتقرفش».

كان الموظف الشاب يشرب الشاى وهو يراقب عروق وجهها تنتفض وهى تحكى منفعلة وكان مندهشاً، تصرخ فى وجع:.. «.. ماتستغربش، أنا فقيرة آه.. بس فيه اللى أفقر منى، أنا معاشى من جوزى الله يرحمه 300 جنيه، جبت بمتين وخمسين منهم البطاطين ديه، وهتدبر لغاية آخر الشهر بالخمسين، ربنا بيبعت!».

غرفة لا تتسع أكثر من شخصين، سرير صغير يتحمل بصعوبة جسدها النحيل، لمبة فى السقف وتليفزيون بإيريال معلق على شباك المنور، تليفون موبايل قديم يبدو أنه نافذتها الوحيدة مع الحياة، وابتسامة دافئة كبيرة تكشف عن زمن بعيد لم تعرف فيه أبعد من هذه الغرفة ومن هذا المكان.
-..«لكن ياحاجة كرمة، يعنى ماتفهمنيش غلط واستحملينى، مش برضه أنت أولى بحق الخمس بطاطين، ظروفك يعنى.. »..

وتخبط يدها على طرف السرير فيهتز وتقول بعبارات لا زيف فيها ولاتراجع:.. «..يا ابنى اللى شفته فى التليفزيون يقطع القلب، ناس عريانة مرمية فى الشوارع من غير لا بيت ولا غطى، أنا فقيرة بس مش غلبانة.. هم غلابة ولو كانوا مش فقرة، أنا ربنا ساترنى فى أوضة باقفل بابها تدفينى وأنام.. هم ماعندهمش لا باب ولا أوضة، يا أبنى خد البطاطين وتوكل على الله الحق ابعتها لحد محتاج قبل ما الليل ييجى، توصل بالسلامة وشرفتنى يا ابنى..».

ذهب الموظف بأغلى خمس بطاطين إلى مقر بنك الطعام وحكى لهم ودموع كثيرة فى عينيه قصة الحاجة كرمة، كرمها وكبرياؤها ووجهها الصافى الصادق وكلماتها البريئة الحقيقية، حكى لهم عن علاقتها مع الله، هذه المرأة العجوز التى نساها الزمن لم يهملها الله برحمته فرزقها الحب والبساطة والشجاعة، هذه امرأة لاتخاف أحدا، لاتخاف الفقر ولا الجوع والبرد ولا المرض ولا الموت، تحب الله وتعيش فى أمانه وفى وعده الحق لها، حكى قصة امرأة نظنها أنها تعيش على هامش الحياة.. بينما هى الحياة نفسها.

قرر زملاؤه أن يفعلوا أى شىء لهذه المرأة، اقترحوا معاشا شهريا، معونة عاجلة، البحث عن شقة صغيرة لها، سرير أكبر، ثلاجة بها طعام، فسحة فى مكان جميل، لكن موظف البنك الذى ذهب لها قال لهم بثقة من عرفها عن قرب إنها سترفض كل شىء.

فى النهاية وصلوا إلى حيلة، اتصلوا بها على أنهم من شركة التليفونات التى تحمل أحد أرقامهم، أبلغوها أنها فازت بجائزة مالية كبيرة،
فقالت لهم دون أن تهتز من فرحة أو مفاجأة:.. «.. عارفين بتوع بنك الطعام، اتبرعو لهم بالفلوس كلها، قولوا لهم يجيبوا بيها بطاطين كتيرة لبتوع السيول، ماحدش بيموت من الجوع.. بس فيه ناس كتير بتموت من البرد».

Tuesday, August 9, 2011

ثورة البناء

"الشعب يريد إسقاط النظام"

دوى ذلك الهتاف فى أذنه و هو جالس مع والدته على مائدة الإفطار فأخذ يسترجع ذكريات الثورة التى حدثت فى مصر منذ عدة أشهر.

فصاح قائلاً لأمه : تخيلى يا أمى أن جميع دول العالم لازالت لا تصدق ما حدث وكيف أبهرهم الشعب المصرى كعادته بما سطره فى التاريخ المعاصر.
قالت أمه متنهدة: كم تمنيت أن يكون أبوك وسطنا لكى يشهد مثل تلك اللحظات
قالتها والقت نظرة سريعة على الصورة المعلقة على الحائط المجاور والتى تحمل صورة زوجها.
وعادت ببصرها سريعا إلى ابنها قائلة ولكنت كنت ستجعل من الحسرة حسرتين عندما خالفتنى ونزلت إلى الميدان.

نظر إليها فى استنكار قائلا : لو كل أم منعت ابنها من الذهاب خوفا عليه ما كان ليتغير حالنا ياأمى
فالمشاركة فى هذا الحدث كان واجب وطنى على كل فرد لا فرار عنه .

لم تشأ الأم أن تدخل معه فى ذلك الجدل مجددا ، يكفى أن من الله عليها بأن جعله سالما بين يديها الآن ، فهى لم تكن تتحمل فكرة فقدانه لأنه كل ما تبقى لها ،
فحملت الأوانى و اتجهت بها إلى المطبخ

راقب الابن أمه فى صمت ، كان يريد أن يصارحها بشئ ما يؤرق مضجعه و التفكير فيه يقتله بحثا ، ولكن لم يشأ أن تعرف الأم بتلك النيران المستعرة فى داخله

كان يعلم أنه قد شارك فى عملية الهدم و لكن أين هو من عملية البناء ، ماذا قدم لها ؟!
لطالما كان يعرف تلك القاعدة البسيطة أن عملية البناء أصعب بكثير من الهدم
فالهدم قد لا يستغرق ساعات معدودة بينما البناء قد يمتد لأيام

لقد حاول كثيرا البحث عن شئ لكى يسخر فيه وقت فراغه فلم يجد
كان يقشعر من تلك الفكرة التى سرت فى بدنه أنه لو أراد الله به خيرا لسخره فى طاعته و لأستخدمه فى الأرض

وتوالت الأيام على نفس الوتيرة حتى جاء ذلك اليوم الذى التقى فيه صديقا فجلسا يتبادلان الحديث حتى قال له صاحبه هل سمعت عن مشروع إنسان ،
فهز الشاب برأسه نفيا وقال ما هذا المشروع ؟ ، قال الصديق هو مشروع يهدف إلى محاربة ظاهرتى الفقر و التسرب من التعليم.
يمكنك أن تساعد فيه لو أردت ، هم لهم صفحة على موقع الفيس بوك يمكنك أن تتواصل معهم فقد سمعت أنهم يحتاجون متطوعين

قفز الشاب من مكانه حتى انه لم ينتظر ليسمع باقى كلام صاحبه
هرع إلى بيته و بعد بحث بسيط وجد الصفحة الرسمية للمشروع ،
لم يتمالك نفسه عندما قرأ فيها أن هناك اجتماع للأعضاء الجدد يوم الجمعة القادم بالقاعة الملكية.
طار سرورا بهذا الخبر فلقد فتح الله له بابا من أبواب الرزق وها هو قد عزم على المضى قدما فيه ، لاحظت الأم مدى فرحه فسألته عن السبب فابتسم قائلا لها : لدى موعد فى الميدان
.
.
ميدان الإعمار و البناء

وكانت البداية ..

Wednesday, August 3, 2011

العجوز

لم تكد الساعة تتجاوز السادسة بقليل حتى نهضت تلك العجوز من فرشتها لتجهز الطعام فاليوم هو أول أيام شهر رمضان المبارك.

إذا تأملت ببصرك منزلها ربما تجد كلمة منزل مبالغ فيها إلى حد كبير ، فالمكان الذى تقطنه تلك العجوز عبارة عن غرفة واحدة تقضى فيها ليلها ونهارها

لقد مات زوجها منذ سنوات وتخلى عنها أبنائها منذ زمن و لم تكن لتقوى على العيش لولا تيسير الله لها ممثل فى مساعدة أهل القرية لها بالإضافة الى المساعدات التى تأتى لشيخ المسجد المجاور فيقوم بتوزيعها على الفقراء أمثالها

بعض الكسرات من الخبز و قليل من الجبن الناشف وجدتهم بعد بحث فى أرجاء المكان فحمدت الله على توفيره لوجبة اليوم
تمر اللحظات بطيئة فى انتظار مدفع الإفطار وصلاة المغرب فإذا بها تسمع طرقا على الباب

نهضت العجوز متساءلة عن كنه الطارق ، فمن ذا الذى يأتى فى هذا التوقيت فى أول أيام شهر الصوم
فتحت الباب فإذا بابتسامة تطل عليها من خلف الباب لشاب فى العشرين من عمره يحمل كيسا فى يده

فرحبت بالشاب ودعته للدخول ولكنه امتنع قائلا انه لديه مهام اخرى والوقت لا يتسع
وناولها ما يحمله قائلا لها هذه وجبة إفطار جاهزة نقوم بتوزيعها كل يوم
سكت قليلا ثم أضاف كل عام وأنتى بخير وصحة وسعادة

لم تصدق العجوز ما تراه وما تسمعه فانهالت عليه بوابل من الدعاء و كلمات الشكر التى قابلها الشاب بالشكر للمولى أن استخدمه لمساعدتها

سكتت العجوز لبرهة ثم رفعت رأسها للشاب سائلة : من صاحب هذه المساعدات ؟

فى سرعة ، رفع الشاب اصبعه إلى السماء اتبعه ببصره قائلا : " الله "

ثم اعطى ظهره لها وغادر المكان دون ان يلقى كلمة أخري حتى انه لم يلحظ ابتسامة الارتياح التى وجدت طريقها إلى وجه السيده و هى تتابع الشاب ببصرها حتى اختفى خلف تلك البنايات

هنا نادى المؤذن لصلاة المغرب فأغلقت العجوز الباب فى رفق وجلست تتناول وجبتها فى هدوء..